أحب العاصي فلان وأكره معصيته

أحب العاصي فلان وأكره معصيته

تمهيد: سؤال برسم الإجابة:

  مما يقال: أحب العاصي فلان وأكره معصيته، ومثله وقع في البدعة وليس بمبتدع، وقع في الكفر وليس كافرا،  فلماذا لا نقول وقع في السرقة ولا يكون سارقا، فلا يقام عليه الحد، ووقع في السكر وليس سكرانا فلا يقام عليه الحد أيضا، هل يعلم الفكر  الدعوي المعاصر  حجم التناقضات التي يطرحها على المجتمع المسلم، وسبَّب له حولا معرفيا، وانحلالا من الدين في إثبات الأحكام الشرعية، هل من جواب على هذا الفصل المعرفي بين الفعل والفاعل.

أولا:الأصول الضرورية لتفريع الإجابة:

1- الذهني يمكن أن يتصور الانفصال بين الصفة والموصوف، لأنه قادر على التجريد، وأما الخارجي فهو ممتزج لا يقبل الفصل بين الفعل والفاعل، لأن الفعل ركن في الفاعل، ولا يتصور الفاعل من غير ركنه.

2-بيان معنى الجبلي والتمييز بينه وبين المحبة والكره شرعا، والنصوص الشرعية في هذا التمييز.

3-أصل عقلي في عدم جواز فصل الصفة عن الموصوف الذي قامت به.

4-أصل لغوي وهو دلالة اسم الفاعل، أنه ذات وما قام بها من الصفة، وأن اسم الفاعل يتضمن جزءين ذاتيين هما المصدر الذي هو المعنى مثل: القتل، الكفر، وذات يقوم بها ذلك المصدر.

ثانيا: تخريج الفروع على الأصول:

1-وجوب التمييز بين الذهني والخارجي المعيَّن:

إن قول العلماء ليس من كل من وقع في الكفر  بكافر، معناه أنه لم تتحقق الشروط وتنتف الموانع في حقيقة الكفر الشرعية، وليس معناه أنه وقع في الكفر شرعا ولكنه ليس كافرا، وهذا الفصل متصور في الذهن، كمن سرق ولم تتوافر فيه حقيقة السرقة شرعا مع تحقق الشروط وانتفاء الموانع.

2-التمييز بين الفعل والفاعل في الخارجي من التكليف بما لا يطاق:

أما لو وقع الشخص المعين في حقيقة السكر والسرقة شرعا، فهو سارق وسكران فعلا، وفي الشخص المعين لا يمكن الفصل بين الفعل الذي هو الكفر والمعصية والبدعة وبين الفاعل، فكل من وقع في البدعة فعلا من المعينين هو مبتدع، كالسكران والمرتد والسارق، لذلك يقام الحد على الفاعل ولا يفرق بينه وبين الفعل،لأن الفصل لا يتصور في المعين الخارجي كالشخص الفلاني، فكل من قام به وصف السرقة شرعا فهو سارق، والعقوبة للفاعل وليس للفعل، والتمييز بين الفعل والفاعل في الخارجي من التكليف بما لا يطاق، لأن الخارجي ممتزج، فكل من قام به وصف السرقة شرعا فهو سارق.

3-بطلان الفصل بين الصفة والموصوف في الأحكام:

إن تسمية القاتل وفصله عن القتل هو فصل الشيء ونفسه، لا يجوز عقلا، لأنه فصل الكل عن الجزء، وهو فصل الكافر  عن الكفر، والمجرم عن الجريمة، لأن المجرم لم يسم مجرما إلا بالجريمة، والكافر بالكفر، ولا كذلك من حيث اللغة، لأن الصفة لازمة للموصوف، فإن كره الموصوف فقد كره الصفة، وإن كره الصفة فقد كره الموصوف.

4-التمييز بين المحبة الجبلية والملية:

المحبة الشرعية هي التعبد بالأحكام، وهو واجب وداخل تحت الاختيار ، وأما الجبلية فهي أمر طبعي لا خيار فيه للعبد، ولا تكليف فيه، فقد أحب النبي صلى الله عليه وسلم عمه أبا طالب، ولما مات أبو  طالب، تعبد الرسول صلى الله عليه وسلم بالأحكام وهذه هي المحبة الشرعية بمعنى التعبد وليس الجبلة  فعن علي رضي الله عنه، قال: (قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: إن عمك الشيخ الضال قد مات، قال: اذهب فوار أباك) فمع حبه الجبلي وصف علي أبا طالب بالشيخ الضال، ووراه التراب، فلا منافاة بين الجبلي والملي في أن الحب هو التعبد بالأحكام، كقول النبي صلى الله عليه وسلم (وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ) فلا تعارض بين المحبة الجبلية وبين المحبة الشرعية التي هي التعبد بإقامة الأحكام.

5-حب المسلم العاصي جبلة وإقامة الأحكام تعبد:

وعليه فإن المسلم يحب المسلم ويتضامن معه بحكم أن الجبلة تقتضي المحبة بين أصحاب العقيدة الواحدة،فهي جبلية، بينما التعبد بالأحكام هو تكليف شرعي، فلا يمنع الكره الجبلي من إقامة الشرع الملي الذي هو التكليف بالأحكام،( وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)، ولا تناقض بين أن يحب الرجل ابنه وأن يطبق أحكام الشرع خلاف هوى الأب أو العكس.

ثالثا: خطاب الأغلبية يخلو من التكليف الشرعي:

إذن، لم يفرق الداعية بين الذهني الذي يتصور فيه الفعل دون الفاعل، وهو من الكليات، كما نقول الزواج، البيع، السرقة، وبين التعينات الشخصية في الظرف الخارجي، فإن سنحل من ربقة الشريعة، بخطاب الأغلبية، فيتهم الشافعي ومالك بأنهم وقعوا في البدعة في ندبهم القنوت في الصبح، ثم ينحل من أحكام المبتدع، فلا هو بقي مع السنة ولا مع البدعة، وهي العدمية في الفكر الديني المعاصر، الخالي من خطاب التكليف.

رابعا: الخلاصة:

1-يتصور الفصل بين الصفة والموصوف في الذهن.

2-في الوجود الخارجي فإن الفاعل كالكافر  لا ينفصل عن كفره، والحكم على الكفر هو حكم على الكافر، وكذلك يقال في المبتدع.

3-ما يذكر  من كلام الفقهاء من أنه قد يقع في الكفر وليس كافرا، هو لم يقع في الكفر شرعا مع تحقق الشروط وانتفاء الموانع، فإن انتفت الشروط أو وجد المانع فلا يكون وقع في الكفر أصلا.

4-أحب الرسول عمه أبا طالب جبلة وتعبد بتطبيق أحكام الكفر  عليه وأنه شيخ ضال، وكلاهما وارد على محل واحد هو عمه أبو  طالب، ولا تناقض لتنافي الجهة.

5-الغلو في تكفير المسلمين وتبديعهم ثم الانحلال من الأحكام بدعوى الفصل بين الصفة والموصوف، هي عدمية دينية معاصرة.

6-ضرورة التمييز بين الخطاب الفقهي الأصولي والفكر الدعوى في خطاب السعادة.

الكسر في الأصول لا ينجبر

عبد ربه وأسير ذنبه

أ.د وليد مصطفى شاويش

عَمَّان أرض الرباط

1- ربيع الأول -1447

25-8-2025

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to top