أين خالد؟
1-فارس يعرف متى يرفع سيفه ومتى يضعه:
بينما استعد جيش المسلمين للقاء المشركين يوم أحد،نظر خالد إلى الرماة على الجبل، فأدرك النتيجة الخاسرة للمشركين، فلم يدخل مع جيش المشركين، بل أكمن مع فرسانه في طائفة النخل، وهو يرى سيوف المسلمين تحس رقاب المشركين بإذن الله تعالى، ومع ذلك لم يدخل المعركة، حتى إذا نزل الرماة عن الجبل، اقتحم على المسلمين بخيل المشركين، وقلَب ميزان المعركة، فهو يعلم متى يقبض على السيف ومتى يضعه في غمده.
2-الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: أين خالد؟
يدخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة في عمرة القضاء، وما زالت الأصنام تعبد في بيت إمام التوحيد إبراهيم عليه السلام، فقال: (أين خالد؟ …: ما مثله جهل الإسلام، ولو كان جَعَل نكايته وجِدَّه المسلمين على المشركين كان خيرا له ولقدمناه على غيره)، هكذا هو شأن القيادة النبوية وهي تعرف الرجال، وتعلم مَن هم قوات النخبة، الذين لا يعيشون في سجن التاريخ يوم أحد، ولا شقوق الزمان أيام الجاهلية، بل يشغلهم الإنجاز القادم، وما هو آت على الأمة من الأحداث والملِمَّات.
3-خالد يتولى الراية دون رأي ومشورة:
أسلم خالد وخرج كغيره جنديا في جيش مؤتة، ولما علم المسلمون بعدد جيش الروم، اجتمعوا لبحث الأمر، فأقدموا على المعركة دون انتظار المدد من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأى خالد جيش المسلمين يختفي في ثنايا جيش الروم، وقادة جيش المسلمين يستشهدون واحدا بعد الآخر، استشهد زيد وجعفر وابن رواحة، فتصدر خالد للراية، وأخذها باليمين، دون مشورة ولا أمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالأمر جلل والشهداء كثر من كل أطراف الجيش ولا يحتمل التأخير، وطبق قواعد الاشتباك، وترجم البخاري لفعل خالد بقوله: (باب من تأمر في الحرب من غير إمرة إذا خاف العدو)، وأصبحت ترجمة البخاري في صحيحه لفعل خالد يوم مؤتة، دينا يدرَّس إلى يوما الدين.
4-المؤامرة فكرة مَرضية:
نظر خالد في جيشه المستبسل في القتال حتى آخر رجل، ولكن مبدأ القيادة مختلف، ماذا تفعل القيادة العامة إذا فني هؤلاء الأبطال، عرف خالد أن الحرب مهلكة لجيش المسلمين، فشرع في انسحاب مشرف يخيف العدو، قبل أن يكون الانسحاب نجاة بالثلة المؤمنة، وأثناء الانسحاب لم تظهر أصوات السابقين الأولين للإسلام، بأن الانسحاب مؤامرة من قريش، يقودها عرَّاب مذبحة المسلمين يوم أحد، لأن المؤامرة فكر المهزومين، وحالة مرضية لا يعرفها أبطال الإنجاز.
5-انسحاب خالد انحياز إلى فئة وهي القيادة النبوية في المدينة المنورة:
ولما وصل الجيش الذي تحيز إلى فئته ولحق بالقيادة العامة في المدينة، جعل الناس يحْثون على الجيش التراب ويقولون : يا فُرَّار ،فررتم في سبيل الله ، ولكن خالد لم يعبأ بخطاب الجمهور، وانتظر تقييم النخبة في القيادة النبوية، وردَّ الفرع الفقهي لأصله، وهو أن خالدا وجيشه تحيزوا إلى فئة لقوله تعالى(إلا متحيزا إلى فئة)، وفئتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليعطي التقييم الفقهي في أن خالدا تحيَّز إلى الفئة، بقوله صلى الله عليه وسلم: (ولكنهم الكرار إن شاء الله تعالى).
6-بطلان خطاب السعادة:
نعم لم يتعامل القادة والنخبة كخالد، مع الجيش المؤمن أنهم مشاريع شهادة، وعلى طريقة زغرتي يا أم الشهيد، ثم يلقون بهم في مهاوي المعارك، من غير رأي ولا خبرة ولا نتيجة، نعم نجا خالد بالقلة المؤمنة في غزوة مؤتة، لأنه تحيَّز إلى فئة في المدينة، ولأنه يعلم متى يقبض على سيفه ومتى يضعه جانبا، وهؤلاء الذين نجى بهم في مؤتة، هم الصفوة الذين انتصر بهم في اليرموك، لأنه في اليرموك قبض على سيفه على عِلم بأن فئته في المدينة هو أبو بكر، خالد ينتصر إذا رفع سيفه، وينتصر أيضا إذا وضعه، أين خالد، من يدلُّني على خالد؟ أم أن قدرنا اليوم هو خطيب السعادة في جمهور المستنقع الذين يمشون وهم نيام، وإذا استيقظوا إمّا لطَمُوا أو صفَّقوا، وأنا الذي أسأل اليوم، من ينجو بنا في مؤتة لينتصرَ بِنا في يوم اليرموك القادم؟
الروح المسافرة
عبد ربه وأسير ذنبه
أ.د وليد مصطفى شاويش
عَمَّان أرض الرباط
13- ربيع الأنوار -1447
6-9-2025

رائع ورائع ورائع..
لا جفَّ لقلمك حبرًا أيها الوليد (مجازًا هذه لأن الناس يكتبون باستخدام اللابتوب)..
في عطلتي أعود لأقرأ مقالاتك فهي ثقافتي اللامنهجية..
أخبرنا في مقالٍ متى ستعود روحك من سفرها..