[printfriendly]
إلى الذين يلعبون كرة القدم بأصابع اليد
(الطفل الآلي )
ترى عيون ذلك الفتى تهتز في رأسه، وأصابعه ترتجف في كفه، مع حالة ارتباك عصبية وهو ينظر في تلك الشاشة الصغيرة بين يديه، حتى إذا وضع الهاتف جانبا رأيته نزِقا صعب الفهم عصي المراس، وكأنه يظن أن حدود الحياة تبدأ وتنتهي عند تلك الشاشة الصغيرة، وأنه يعيش عالما افتراضيا ولم يدخل في عالم الحقيقة، وقد عاد بي هذا الصبي الافتراضي إلى عالم حقيقة الطفولة.
عندما كنا صغارا نصنع ألعابنا بأنفسنا، وهي عبارة سيارة من أسلاك مهملة بجوار المباني تحت الإنشاء، وبضع مسامير تصنع منها سيارة بمِقود، أما الحفلة الجماعية للأطفال فهي سيارة رمل أحمر، تلقيها الشاحنة قرب المبنى تحت الإنشاء، وتسارع أيدي المهندسين الصغار إلى إنشاء مبانٍ من تلك الرمال، وفتح أنفاق عبور وطرق التفافية، تلتقي فيها أيدي الحفارة الصغار من تحت الرمال، وتنتهي إلى لعبة شد اليد مع الضحك البريء الذي يمكن أن يهدم المشروع برُمَّته.
لا أحد يقدر قيمة الخيال في عقل الطفل المهندس الذي استطاع أن يصنع لعبته بنفسه، من أسلاك ملقاة على قارعة الطريق، ويباهي بسيارته تلك المهندسين الصغار الآخرين، الذين يدهشونك بسرعتهم كالبرق نحو سيارة الرمل، لبناء مدينة من المباني والسيارات وكافة المصنوعات، وفي سبيل هذه الصناعة.
ولا يقطع المهندس الصغير هذه الحفلة الرملية إلا إذا رآى أباه وقد عاد من عمله يحمل بطيخة من الحجم العائلي، ويتلقفها من أبيه في مصارعة حرة بين بطيخ من الوزن الثقيل مع طفل وزن الريشة، يسارع الطفل بها إلى البيت في متعة لا يعرفها الأطفال الافتراضيون الذين يستلمون خلطات الأندومي من شركات التوصيل، ويلعبون كرة القدم بأصابع اليد، هناك حيث المأوى الأخير للبطيخة على مذبح الست الوالدة التي ستعد من تلك البطيخة حفلة فاكهة للجميع بعد يوم عمل شاق.
ذلك اليوم يختم بقرصة لطيفة أثناء الحمام وبهدلة المهندس المعفَّر بالرمال، مع اليقين بأنه لن يرتدع فهو صاحب سوابق ومُكرِّر لنفس التهمة، واقتضت اتفاقية الدفاع المشترك السرية بين الوالدين أن إدارة التربية والعقاب هي خط الدفاع الأول من صلاحية السيدة الوالدة، وأن الأب خط دفاع أخير فهو سلاح ردع سياسي كالسلاح النووي للردع لا للاستعمال.
تطورت لعبة الرمال إلى كرة القدم من الشرايط في العصر القماشي، وهي مصنوعة من جورب اتسعت خروقه وألقاه أحد الآباء الكادحين، الذي يعتبره بعضهم من المتكبرين على النعمة، ومن أهل الغنى الفاحش، ويرجح أن ذلك الأب الذي ألقى الجورب المخروق قد عثر على ذهب في حوش البيت.
وتستمر الصناعة بحشو الجورب بالقماش المخرَّق المهتريء، ويصبح كرة قدم موافقه لمقاييس حارتنا والحارات المجاورة، وأما الملعب فهو الشارع الذي كان كثيرا ما يخلو من السيارات، وفي حال مرور سيارة يوقف اللعب وكأن مرور السيارة صفارة الحكم لوقف البث ليحدد مواقع اللاعبين حتى يعودوا إلى نفس الأماكن قبل مرور السيارة.
تطور الأمر فدوامُ الحال من المحال، وأصبحت لدينا كرة تتحول أحيانا تحت ضغط اللعب إلى الشكل البيضاوي، وكان المرمى فيه حجَران بلا قوائم ولا شِباك، وإذا كانت المباراة حاسمة فمن المحتمل أن يجود أحد أفراد الفريق بحذائه الأيمن على الكابتن بوصفه هداف الحارة، وفي حالة الهجوم على الخصم كان يمكن لحارس المرمى المقابل أن يقصِّر عرض الهدف بتحريك الحجر، لتفويت فرصة هدف للخصم، ولا يوجد رمية تماس ولا تسلل، ولكن كانت هناك عهود ومواثيق قبل اللعب أنه ممنوع الحطِم على الساق، أو العرقلة ويمنع ركل الكرة برأس القدم المصطلح عليه (البوز)، ويُلغى الهدف لأنه مخالف للعهود التي اتفقنا عليها.
وأما الحَكَم فهو أحد الكبار مسموعي الكلمة في أحد الفريقين يدين له الجميع، ولا مانع أن يكون عدد أحد الفريقين أكثر من الآخر، ويسمى هذا اللاعب الزائد (فُزدُق فاضي) حسب المصطلح المعمول به في ملعب الحارة، لأن كسر الخواطر لا يجوز والكل معرض أن يكون(فُزدُق فاضي)، فممكن أن يعلب ستة مقابل سبعة أحدهم (فُزدُق فاضي)، حيث كانت الإنسانية والمشاعر النبيلة فوق القانون .
وأحيانا تحل مشكلة العدد الفردي باختراع ما يسمى بلعبة (جول إنجليزي)، يُهدِّف الفريقان على مرمى واحد، وعلى الحارس أن يصد كل الأهداف بنفس الكفاءة لأي من الفريقين، وكثيرا ما يتهم الحارس بالميل لأحد الفريقين، ولا يستبعد أنه قبض رشوة سندويشة فلافل من الخصم، أثناء الفسحة في المدرسة.
انتقلتُ إلى المدرسة الثانوية، وبصفتي حارس مرمى مخضرم أدركتُ عصرين، الابتدائية والإعدادية، عُينت حارسا لمرمى الصف، وفي المباراة الأولى فوجئت، أن المرمى له قوائم وشبكة، والملعب مخطط، وأن الحكم له لباس خاص، وأن اللاعبين لهم لباس مميز على النحو الذي نراه في المباريات على التلفاز، وأن اللعبة تجري وفق قواعد قانونية تبدأ من الكرة، وعدد اللاعبين والحكم وأن هذا دوري مدارس لا مجال للتلاعب فيه، وأثناء اللعب وإذا بالحكم يصفر ويعلن وجود تسلل، عندها شعرت أنني ألعب مع منتخب ألمانيا.
لا أنكر أنه دخل في مرماي هدف ولأنني لم أعترف أن اللعب له قانون أصلا، وأننا في العهد القديم نضع قواعد اللعب لأنه لعب، وإذا كان للعب قانون فإنه مهنة وليس لعبا، عندما نلعب فهذا في فلسفة الحارة أنه لا يحكمنا قانون، هذه هي سنة اللعب في مذهب أهل الحارة، لذلك لن أحتسب ذلك الهدف في مرماي حتى يشيب الغُراب، لأنه كان ركلة برأس القدم (بوز) وما دمنا نلعب فيجب أن يستمر اللعب، وأن القانون يعني أنه ليس لعبا.
نعم اخترعنا سيارات من الأسلاك، وخيالنا اخترع كرة القماش، والجول الإنجليزي، اخترعنا معاهدات متغير ة في لعبة كرة القدم، لم يكن يحكمنا قانون مسبق، نلعب بقوانين اللعبة كما نشاء، لأنها لعبة، كانت العواطف النبية فوق القانون في عالم الطفولة.
يؤسفني أننا كبرنا وغدونا نبحث العواطف والإنسانية فلا نكاد نجدها، وأصبحنا نعيش خوازمية التعليمات وميكانيكا القانون، وصارت وظيفتنا تَقنِية تلقائية، وأن نصل بخط مستقيم بين الجريمة في القائمة (أ) مع العقوبة المناسبة في القائمة (ب)، قلوب واجفة، وأقلام راجفة، وشخصيات ترى العدالة في مواد قانونية مرقمة، وأخرى ترى العدالة أكبر من الأوراق والأرقام والحبر السائل.
حينما أمُرُّ بالصبي الآلي بيده ملعب مساحته شاشة هاتف لا تزيد على الكف، يلعب كرة القدم بأطراف أصابع يده، ويسجل الأهداف وهو لا يغادر الكرسي الذي يجلس عليه، تلعب به الشاشة، يعيش وهما من الأصوات، يلعب في الفراغ بلا خصوم، في عالم مجهول، هل يمكن أن يفقه هذا الصبي الآلي معنى العدالة يوما.
الروح المسافرة
عبد ربه وأسير ذنبه
وليد مصطفى شاويش
28-صفر-1448
13-8-2026
