[printfriendly]
(إنما بعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق) شاطبيات
1-الشيطان ليس في التفاصيل:
تتفق البشرية على قيمة العدالة والتسامح والصدق والأمانة وحب الخير، فهذه في رتبة الأصول الكلية لأخلاق البشرية، لكن البشرية تختلف في تفاصيل هذه الأصول، وتتحارب على التفاصيل، وتسفك الدماء عليها، ومن هنا جاء حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» فهذا الحديث يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبعث بأصول الأخلاق لأنها محل اتفاق الإنسانية، إنما جاء لتفاصيلها التي في موضع التتمة لا موضع الأصول، لذلك الهدي النبوي في التفاصيل، فإذا ذهب الهدى، فماذا بعد الحق إلا الضلال.
2- هكذا يتكلم الشاطبي في زمن الحداثة:
قال الشاطبي في الموافقات: (إن الالتفات إلى المعاني قد كان معلوما في الفترات، واعتمد عليه العقلاء، حتى جرت بذلك مصالحهم، وأعملوا كلياتها على الجملة، فاطردت لهم، سواء في ذلك أهل الحكمة الفلسفية وغيرهم، إلا أنهم قصروا في جملة من التفاصيل، فجاءت الشريعة لتتم مكارم الأخلاق، فدل على أن المشروعات في هذا الباب جاءت متممة لجريان التفاصيل في العادات على أصولها المعهودات، ومن ههنا أقرت هذه الشريعة جملة من الأحكام التي جرت في الجاهلية، كالدية، والقسامة، والاجتماع يوم العروبة -وهي الجمعة- للوعظ والتذكير، والقراض، وكسوة الكعبة، وأشباه ذلك مما كان عند أهل الجاهلية محمودا، وما كان من محاسن العوائد ومكارم الأخلاق التي تقبلها العقول، وهي كثيرة، وإنما كان عندهم من التعبدات الصحيحة في الإسلام أمور نادرة مأخوذة عن ملة إبراهيم عليه السلام).
3-من قرأ ما يُدهِش ولَم ينْدهِش فليس منا:
كلام الشاطبي في شرح الحديث، لا يحتاج توضيحا، بل هو واضح بنفسه، يخاطب البشرية بأن دعوات الإنسانية والعدالة والمساواة والتسامح هي أصول كلية واضطراب البشرية ليس في تلك الأصول، بل في التفاصيل والتتمات، وإن العرب في الجاهلية كانوا على أصول تلك الأخلاق، ولم يختلف الناس غربا وشرقا وماضيا وحاضرا فيها، وإن اضطرابات الفكر البشري ليست في المبادئ والأصول الكلية، بل في تعيين الجزئيات تحت كلياتها، وهو ما جاءت به الشريعة لتسد هذه الفجوة التي تتخبط فيها الإنسانية، إن الشاطبي هو ابن زماننا ومتقدم علينا، وقريبا إن شاء الله، يصدر كتابي الشهاب الراصد ما في الموافقات من المقاصد.
الكسر في الأصول لا ينجبر
عبد ربه وأسير ذنبه
أ.د وليد مصطفى شاويش
عَمَّان المحروسة
19- جمادى الأولى -1447
10-11-2025
