الانتقادات الموجهة لسعر الفائدة الربوية ضمن أدوات السياسة النقدية وأثرها في الاقتصاد الكُلي

بالرغم من أن الإيجابيات المزعومة لسعر الحسم ليست مسلَّمة، إلا أن هناك العديدَ من الانتقادات الموجهة إليه، وفيما يأتي أهم الانتقادات على سعر الحسم :

1: يؤخذ على سعر الحسم أنه غير مُجْدٍ مع المؤسسات المليئة ماليًا، قال أحد الباحثين : «إن لجوء الدولة إلى سعر القطع، باعتباره وسيلة لزيادة حجم الائتمان وتقييده، له سلبيات عديدة، لاسيما وأن المؤسسات المالية والمصرفية الكبيرة لا تلجأ إلى مصادر خارجية لتمويل استثماراتها؛ لاكتفائها بمواردها الخاصة، ويحرص المستثمرون عادة على تغطية استثماراتهم في فترة وجيزة؛ مما يجعل تأثير سعر القطع محدودَ التأثير في قرارات الاستثمار»([1]).

2: لا يؤثر سعر الحسم إلا إذا وصل إلى مستوى مرتفع؛ ليؤثر في مستوى الاستثمارات، وهو ما يصطدم بالقيود الصارمة على المستوى المسموح به لأسعار الفائدة، كما أنه يدعم المحتكرين الذين يتمتعون بالملاءة المالية، الذين يحوِّلون الزيادة في تكلفة الائتمان إلى المستهلكين، على شكل زيادة في أسعار المنتجات([2]).

3: إن هذه الوسيلة ضعيفة في علاج التضخم والحد منه، وقد أكد ذلك أحد الباحثين بقوله: «وقد أثبتَ الواقع العملي لاستخدام هذه السياسة عدم فاعليتها في علاج كل من الانكماش والتضخم، وظهرت وسائل أخرى للسياسة النقدية لتساعد في تحقيق الأثر المطلوب»([3]).

4: إن الغاية من هذه الوسيلة هي التأثير في قدرة المصارف التجارية على منح الائتمان، ومن ثمَّ التحكم في المعروض النقدي، ولكن هذه الوسيلة عاجزة عن تحقيق الغاية التي وُجدت من أجلها، فمن باب أولى أن تلغى، والحديث عن الفوائد من الناحية النظرية البحتة لن يجدي نفعًا في ظل واقع يثبت عدم فاعلية هذه الوسيلة.

قال أحد الباحثين: «فقد أثبتت التجربة أن تغيير سعر الحسم وسعر الفائدة من قبل المصرف المركزي لا ينعكس دائمًا وبسرعة على أسعار الفائدة التي تطبقها المصارف التجارية في تعاملها مع المنظمين ورجال الأعمال، وأن كثيرًا من المصارف التجارية لا يغير سعر الفائدة الذي يتعامل به رغم حدوث تغيير في سعر الحسم وسعر الفائدة لسنوات عديدة»([4]).

5: إن لهذه الوسيلة أثرًا سيئًا في تحقيق التوازن الاقتصادي الداخلي والخارجي، فلو افترضنا أن الدولة أرادت أن تحافظ على تحقيق الأهداف الخارجية برفع سعر الفائدة لجلب الاستثمارات فإن ذلك سيؤدي بالمستثمرين في الداخل إلى الإحجام عن الاقتراض؛ لارتفاع كلفة الائتمان؛ مما يؤثر سلبًا في تحقيق التوازن الداخلي، ويضاعف من البطالة، وعدم التشغيل الكامل للموارد، وقد ذهب (كينـز) إلى أن سعر الفائدة ظاهرة نقدية؛ نظرا لتأثيره في تكلفة الاستثمار؛ لذلك حذَّر من أن ارتفاع هذا السعر سيؤدي إلى تخفيض حجم الاستثمار([5]).

6: إن هذه الوسيلة لن تكون فعالة، لاسيما في الاقتصادات المتخلفة، التي تتميز بضيق سوقها النقدية والمالية، وقلة التعامل بالأوراق التجارية، ومن ثمَّ فإن سياسة سعر الحسم ستكون ذات محدودية في هذه الدول([6]).

7: لسعر المصرف آثار سيئة في التوزيع إنْ وصل إلى مستويات عالية، كما حدث في الثمانينيات من القرن الماضي، فالأسعار العالية تُدِرُّ دخولاً كبيرة على ذوي الثروات، وتضاعف العبء على ذوي الدخول المحدودة، الّذِين عليهم ديون؛ ثمنًا لمنازل اشتروها للسكنى، أو شراء معدات، أو مواد خام، بالإضافة إلى وجود ظاهرتين ملازمتين لرفع سعر المصرف، وهما: الزيادة في البطالة، وارتفاع الأسعار، وكلاهما ذو أثر سيء على الفقراء أكثر من الأغنياء([7]).

8: إن سعر الحسم لن يكون ذا تأثير في حال امتلاك المصارف التجارية فائضًا من السيولة، حيث تستطيع تلبية حاجاتها من السيولة دون اللجوء إلى المصرف المركزي([8]).

ففي حال وردت إلى السوق المالية رؤوس أموال أجنبية من الخارج؛ بغرض التوظيف والحصول على عائد مرتفع([9])، سيكون تأثير سعر الحسم ضعيفًا في توجيه كمية النقود عن طريق سعر الحسم؛ بسبب الفائض في المعروض النقدي؛ لأن فاعلية سعر الحسم تكون فاعلة في حال اضطرار المصارف التجارية إليه؛ لتلبية حاجتها من السيولة([10]).

ولو افترضنا أن المصارف التجارية مضطرة للسيولة فقد لا يكون رفع سعر الحسم مؤثرًا إذا كانت هذه المصارف قادرة على تحميل الزيادة في نفقة الدين للمقترضين منها، باعتبار أن نفقة الدين هذه تمثل بالنسبة للمستثمرين جزءًا ضئيلاً بالنسبة للإنتاج، ويستطيع أن يرفع أسعار السلع، ومن ثمَّ تحميل الكلفة في النهاية للمستهلك([11]).

وفي المقابل، لا يعني خفض سعر الحسم تشجيعًا للمستثمرين على الاقتراض؛ لأن المستثمرين سينظرون بعين بالاعتبار إلى نفقة الدين مهما كانت قليلة، ومقارنتها بالربح المتوقع؛ نتيجة الطلب على السلعة، وهذا النظر هو الذي سيؤثر في سلوك المشروعات، وليس سعر الفائدة([12])، ناهيك عما يمكن أن يؤدي إليه التناقض في أسعار الفائدة عندما تمنح المؤسسات المالية غير المصرفية أسعار فائدة أعلى؛ لجذب الأموال بعيدًا عن الرقابة على الجهاز المصرفي([13]).

9: إن آثار سعر الحسم تبدو متناقضة أحيانا، وقد عبر عن ذلك أحد الباحثين بقوله: «ومن مظاهر التناقض في هذا المجال أن رفع سعر الفائدة يزيد من إيداعات الأفراد والمشروعات؛ للحصول على عائد مرتفع، مما يزيد من سيولة البنوك التجارية، ويرفع من مقدرتها على إعطاء القروض وخلق الائتمان، دون الاعتماد على البنك المركزي»([14]).

10: ويرى بعض الباحثين أن سعر الحسم ليس سوى مؤشر أمام المصارف التجارية؛ ليعبر عن اتجاه السلطة النقدية في اتباع سياسة نقدية معينة، وأن دوره دور مكمل للأدوات الفنية الأخرى للسياسة النقدية([15]).

11: إن الدولة تميل، عادة، إلى الاحتفاظ بسعر الفائدة عند مستوى منخفض نسبيًا؛ لخفض كلفة إقراضها من خلال الدين العام، ورعاية مصالح حمَلة الأسهم وأصحاب الثروات في المجتمع([16]).

12: ليس من الضروري أن يستجيب المصرف المركزي لطلبات الائتمان المقدمة من المصارف التجارية، ولو قدمت الأخيرة أوراقًا مالية ذات ضمان من الدرجة الأولى، فقد يطلب المصرف المركزي توافر شروط أخرى لدى المصرف المتقدم بطلب الائتمان، تتمثل هذه الشروط في مدى توافق خطة المصرف التجاري مع أهداف السياسة النقدية التي يُعنى المصرف المركزي بتحقيقها، فقد يلجأ المصرف المركزي إلى فحص سياسة المقترض ومراقبتها، من حيث المركز المالي، وقدرته التمويلية، ومصادره الادخارية، واتجاهاته التوظيفية، والأسعار التي يتقاضاها على الائتمان، وفحص نوعية الأصول المقدمة للخصم، أو لضمان الاقتراض من حيث درجة السيولة، ونطاق الضمان، ومدى إسهامه في تمويل النشاط الجاري (التجارة أو الإنتاج الجاري)، أو في تمويل النشاط الاستثماري، بالإضافة إلى العمل على تفضيل القروض، وتوفير الائتمان المرتبط بالاحتياجات الأساسية والضرورية للاقتصاد القومي: كتشجيع القروض المخصصة لتمويل التصدير، وتقييد القروض المقدمة للاستيراد في حال عجز ميزان المدفوعات، وكذلك منع القروض عن المشروعات التي لا يرغب في توسيع نطاقها الإنتاجي، أو التي تستخدم في المضاربة والمخزون([17]).

         وخلاصة القولِ: إن الإيجابيات المزعومة لسعر الحسم غير مسلَّمة، كما هو واضح من المناقشة، أما السلبيات فهي كثيرة، كما هو واضح من العرض السابق للإيجابيات والسلبيات، وأختم هذا العرض بكلمة لأحد الباحثين يلخص فيها كلمته في سعر الحسم، فيقول:« فإن الواقع العملي لاستخدام سعر الفائدة باعتباره سياسة نقدية قد أثبت عدم فاعليتها في علاج أي من الانكماش أو التضخم، وظهرت وسائل أخرى للسياسة النقدية لتساعد في تحقيق الأثر المطلوب»([18]).

[1] انظر: الكفراوي، عوف محمود. النقود والمصارف، مرجع سابق، ص 331، وانظر أيضًا:

-الحمزاوي، محمد كمال. اقتصاديات الائتمان المصرفي، مرجع سابق، ص166.

[2] عارف، محمد. السياسة النقدية في اقتصاد إسلامي لا ربوي، ترجمة: نبيل الروبي، مراجعة: حسين عمر، جدة: المركز العالمي لأبحاث الاقتصاد الإسلامي، جامعة الملك عبد العزيز، (1402ﻫ/1982م)، ص 13.

[3] مصطفى، أحمد فريد وآخرون. السياسات النقدية والبعد الدولي لليورو، مرجع سابق، ص89.

[4] شامية، أحمد زهير. النقود والمصارف، مرجع سابق، ص329.

[5] مصطفى، أحمد فريد وآخرون. السياسات النقدية والبعد الدولي لليورو، مرجع سابق، ص50، وانظر أيضًا:

 -سليمان، مجدي عبد الفتاح. علاج التضخم والركود الاقتصادي في الإسلام، القاهرة: دار غريب، 2002م، ص349.

[6] سليمان، مجدي عبد الفتاح. علاج التضخم والركود الاقتصادي في الإسلام، مرجع سابق، ص127، وانظر أيضًا:

-شامية، أحمد زهير. النقود والمصارف، مرجع سابق، ص343.

[7] صديقي، محمد نجاة الله. بحوث في النظام المصرفي الإسلامي، مرجع سابق، ص203.

[8] شيحة، مصطفى رشدي. النقود والمصارف والائتمان، مرجع سابق، ص141، وانظر أيضًا:

-شامية، أحمد زهير. النقود والمصارف، مرجع سابق، ص330.

[9] عفر، عبد المنعم. السياسات المالية والنقدية ومدى إمكانية الأخذ بها في الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص64، وانظر أيضًا:

-شيحة، مصطفى رشدي. النقود والمصارف والائتمان، مرجع سابق، ص141.

[10] شامية، أحمد زهير. النقود والمصارف، مرجع سابق، ص330.

[11] شيحة، مصطفى رشدي. النقود والمصارف والائتمان، مرجع سابق، ص144.

[12] المرجع السابق، ص145.

[13] عفر، عبد المنعم. السياسات المالية والنقدية ومدى إمكانية الأخذ بها في الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص70.

[14] شيحة، مصطفى رشدي. النقود والمصارف والائتمان، مرجع سابق، ص141، وانظر أيضًا: ص 145 من المصدر نفسه حيث يقول المؤلف عن هذه الوسيلة: «ولكنها وسيلة ناقصة، تحتاج إلى أساليب مكملة لتحقيق فاعلية أكبر»، وانظر أيضًا:

-مصطفى، أحمد فريد وآخرون. السياسات النقدية والبعد الدولي لليورو، مرجع سابق، ص53.

[15] عفر، عبد المنعم. السياسات المالية والنقدية ومدى إمكانية الأخذ بها في الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص67، وانظر أيضًا:

-شامية، أحمد زهير. النقود والمصارف، مرجع سابق، ص330.

-شيحة، مصطفى رشدي. النقود والمصارف والائتمان، مرجع سابق، ص145.

[16] عفر، عبد المنعم. السياسات المالية والنقدية ومدى إمكانية الأخذ بها في الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص65.

[17] شيحة، مصطفى رشدي. النقود والمصارف والائتمان، مرجع سابق، ص156.

[18] عفر، عبد المنعم. السياسات المالية والنقدية ومدى إمكانية الأخذ بها في الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص71.

هذه المقالة مقتبسة من رسالتي للدكتوراه: السياسة النقدية بين الفقه الإسلامي والفكر الاقتصادي الوضعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top