[printfriendly]
الخلل في الكلي ليس كالخلل في الجزئي
خلط نصاب الذهب والفضة لتقدير نصاب الزكاة
س: هل يجوز أن يصبح نصاب الزكاة معدلا مجموعا من نصاب الذهب والفضة، أو أن يضاف نصف نصاب الذهب إلى نصاب الفضة مراعاة للتغيرات في أسعار الذهب والفضة.
ليجاب على هذا السؤال لا بد من بيان الأصول التي تحكم هذه المسألة، وفيما يأتي بيان هذه الأصول:
1-لا يجوز الإحداث في الأسباب:
ما اتفقت عليه الأمة أن الأحكام الوضعية جعل إلهي لا إنساني، فالحكم الوضعي: هو ما جعله الله سببا أو شرطا أو مانعا، فإذا قدر الله تعالى سبب الوجوب ملك النصاب من الذهب أو الفضة، فليس لإنسان أن يستحدث نصابا جديدا خليطا منهما.
2-الشيء مع غيره غيرهما:
القاعدة أن الشيء مع غيره هو شيء ثالث، فإذا خلطت الهيدروجين مع الأكسجين خرج شيء ثالث هو الماء والماء ليس هيدروجين وليس أكسجين، بل هو شيء ثالث، والنصاب الجديد المخلوط من الذهب والفضة ليس ذهبا ولا فضة بل هو شيء ثالث.
3-إذا أجمعت الأمة على قولين يمنع إحداث ثالث:
على فرض أن الأمة أجمعت أن النصاب للأثمان ومن العملات الورقية، هو إما الذهب وإما الفضة، ثم أحدث قول ثالث، فهذا يعني أن الأمة خلت من الحق الذي هو القول الثالث، ولا سيما أنه في الأحكام الوضعية التوقيفية كالأنصبة.
4-النصاب توقيف شرعي لا اجتهاد فيه:
إذا كانت الأنصبة توقيفا شرعيا فلا يجوز التعديل الإنساني على الأحكام الإلهية التوقيفية، لأن مقدار النصاب تعبدي، والتغيير على التعبديات التوقيفية كتعيين نصاب الزكاة والمقدار الخارج، بحسب ما يعتقد أنه لمراعاة المصالح، هو مذهب طبيعي ونزعة واقعية، تصبح الشريعة شريعة مختلفة عن الشريعة الأصل.
5-الحكمة لا تلغي النص:
إن التعليل بالحكمة بمعنى المناسب في جلب مصلحة أو درء مفسدة، هو أدنى مراتب التعليل، ولا يجوز أن يعود التعليل بالحكمة على على الإجماع ودلالة النص بالإبطال، لأن الحكمة هي مصلحة مرسلة ثبتت من نصوص الشريعة، وإذا ألغت النصوص فهذا يعني أن الفرع عاد على أصله بالإبطال، فإذا سقط الأصل، فأَولى أن يسقط الفرع الذي ثبت بذلك الأصل، والعُرف الحاضر لا يُلغي الشرع الظاهر، فلا تأثير لتغير قيمة الذهب أو الفضة في أحكام الشريعة، لأن الأحكام الشرعية لا تُنتَزع من الطبيعة أو الواقع، بل تستنبط من كلام الشارع.
6-الاجتهاد في الأصول رتبة أئمة الأصول:
إن الاجتهاد في العلل هو من رتبة المجتهدين في الأصول كالأئمة الأربعة، الذي لهم أصول مستقلة، أما أئمة التفريع فهم مقلدون لإمامهم في الأصول مجتهدون في الفروع، والاجتهاد في العلل هو اجتهاد في الأصول، وتبديل العلل الشرعية يعني تبديل الأحكام الفرعية والعودة على الفروع السابقة بالإبطال، ويؤدي إلى إبطال وجوب زكاة من أخرج على الفضة لأنها لم تجب عليه بسبب النصاب الـمُحدَث، وفي نفس الوقت لم يبلغ نصاب الذهب، فلم يُعمل بالنِّصابَين الشرعيين، ويؤكد ذلك أن الشيء مع غيره غيرُهما، وأن النصاب الـمُحدَث ليس ذهبا ولا فضة.
7-قاعدة: ترك الاستفصال ينزل منزلة العموم من الأقوال:
عندما يعمم الشارع حكمه على سبب كالنصب المعين، وأهمل تفصيل الجودة والرداءة والصغر والكبر والغلاء والرخص، فهذا يعني أنه أهمل هذه الأوصاف ولم يعتبرها، وإعادة اعتبار الأوصاف المهمَلة كالغلاء والرخص في النصابين، وإلغاء الأوصاف المعملة كنصاب الذهب والفضة المنصوص عليهما هو قلب للشريعة، كما أهملت الشريعة في الربا أن يكون القرض تجاريا أو استهلاكيا، شخصيا أو مؤسسيا، بل اعتبرت حقيقة الربا بصرف النظر عن هذه الأوصاف الطردية.
8-استحداث النصاب المحدث خطير على الأنصبة الشرعية الأخرى:
أهملت الشريعة في النصاب جودة الشياه في الغلاء والرخص، فرب شاة تبلغ قيمتها عشر شياه من نوع آخر، والأربعون تكون في قيمة الأربعة، فوجبت الزكاة في الشياه الأربعين الرخيصة لأنها بلغت نصابا، ولم تجب فيما دون النصاب من الشياه الثمينة، مما يعني أن الغلاء والرخص علة علة غير مطردة ولا منعكسة، وهو قادح في العلة نفسها، وتناقض أن يعتبر الغلاء والرخص في الذهب والفضة، ولا يعتبر في الماشية!
9-الفروع مِحنة للأصول:
لو صح التعليل بمجرد الحكمة، التي هي المناسبة بمعنى مصلحة تشرع أو مفسدة تدفع، لمَا احتاج الناس إلى أنبياء ولا شريعة، فيكفيهم أن ينظروا في المصالح دون الشريعة، لأن التوقيف الشرعي طُرح أصلا إذا عارض المصلحة على فرض ثبوتها، فما الفائدة من النص إذا كان سيطرح النص وتعتبر المصلحة ؟ وهنا نقول الفروع مِحنَة للأصول، فإذا جاءت الفروع شاذة، فهذا يعني أن ثمة خلل في الكليات، والخلل في الكلي ليس كالخلل في الجزئي.
10-مَن خرج من حَدِّ الشارع لم يَعُد له حدٌّ ينتهي إليه:
على فرض أن من قال أريد أن أخلطهما معها وأخرج القيمة على المعدل منهما،يقال له لماذا لم تخلط نصف كل منهما مع الآخر أو ربعه أو ثلثه إلخ، فما دليلك على خلط الكل مع الكل، أو النصف مع النصف، وهكذا، فيكون رجَّح بلا مرجح، وهو باطل.
*الخلاصة:
إنَّ خلْط نِصابَيِّ الذهب والفضة، أو خلْطَ جزءٍ منهما مع الآخر ، هو نصاب ثالث لا هو ذهب ولا فضة، بل منزلة بين المنزلتين، ومناقَضة للشريعة في رتبة الأصول، واستحداثٌ في الأسباب والعلل التي هي جَعْلٌ إلهي، وتحويلُها إلى وضع إنساني، وهو مخالف للتوقيف الشرعي، وهو أيضا تحكُّم لأنه ترجيح بلا مرجح، وبما أنه تبديل في رتبة الأصول، فإنه سيؤدي إلى انقلابات واسعة في فروع الشريعة، بسبب تحكم المذهب الطبيعي المعاصر والنزعة الواقعية على الدِّين، وهذا المذهب الطبيعي ليس له حدٌّ ينتهي إليه، ولا يُوقفه أصل ولا فرع، حقا ولدت الأمة ربتها.
المحجة البيضاء
عبد ربه وأسير ذنبه
أ.د وليد مصطفى شاويش
عَمَّان المحروسة
1- رمضان -1447
19-2-2026
