الشام والاستيقاظ على كتف المارد

الشام والاستيقاظ على كتف المارد

أفاقت سوريا وشعبها الصابر على كتف المارد الكبير سوريا، وهي دمشق في عبق التاريخ، وحلب المتنبي، ومعرة النعمان، ومحراب معاذ بن جبل وزاوية الغزالي في مسجد بني أمية، وفوجئت الجماعات الدينية مسلحة وغيرها بأن المارد مصاب بإصابات بليغة فقد نهشته قروح الطوائف، وكدمات التكفير، وخدوش التفسيق والتبديع،  بفتاوى العهد القديم في الولاء والبراء والحاكمية، ناهيك عن تشققات الانحلال من الشريعة، والقيود في يديه وضعتها القوى الاستعمارية.

 فوجئت الجماعات بأنها غير قادرة على تشغيل المارد، ولكنها إذا نظرتْ إلى جيب المارد رأتْ فيه نظام التشغيل، وأخرجت ذلك النظام وجدْتَ فيه لغة صارمة، وقواعد محكمة، ويؤسفني يا عزيزي أنك لن تجد في النظام خطب أسد المنابر، ولا سجع وعاظ المقابر، وأشعار التاريخ الغابر، وستجد أن المارد لا تتسع له حارات الجماعات الدينية،  بل ستجد أعلام المحابر من الأصوليين المداعِسين عن الحق في أزقة الضلال، ولن تجد ثقافة المحنة، ولا أناشيد الغرباء،  ولا التدين الحكائي في نصوص الشريعة، بل ستجد أصول الفقه الذي تعَسَّر فهمه على التدين الحكائي فرماه زورا بأنه أرِسطي، وأراح عقله من عناء الفهم، واستسهل الجهل وسمَّاه إيمان العجائز، حتى جاءت ساعة الحقيقة في الاستيقاظ على كتف المارد.

ستجد في نظام التشغيل عبارة صارمة غير قابلة للتلاعب بها من قبل الدعاة الجدد الذين حملوا مباخر إعادة النظر في النص أثناء  عرس البغل، وستجد أن دعوى المشايخ والمستشرقين في الجمود الفقهي هي التي حرمتك من القدرة على قراءة نظام تشغيل الأمة، وذلك النظام هو ما كانت عليه الأمة قبل مدفع نابليون ومطبعته، فكُسر  مدفع نابليون واتخذ نابليون الليل جَمَلا وهرب عليه،  ولكن مطبعته بقيت تسيل بهذا الركام  من الحبر السِّرِّي الذي يمحو به أحبار التجديد العهد القديم، ويكتبون العهد الجديد باسم التجديد، ثم يصبح العهد الجديد قديما ويُمحَى هو الآخر، وهكذا دواليك في رؤية المعروف منكرا والمنكر معروفا بين يدي الساعة.

لا تنسَ يا عزيزي أن وجودك فجأة على  كتف المارد لم يكن عبثا، بل كان إعجازا إلهيا وهو سبحانه الذي استأثر بِرد مكر الباطنية التي شَرَّدتك في الشام ولكنها امتطت صهوة جواد غزة، فضرب الله عدوك الظاهر بعدوك الباطن، بينما كان يصفق الجمهور في المسرح المهجور للمقاومة- بزعمهم- الباطنية ، وأثناء التصفيق كان لطف الله يجري وعبده لا يدري، فقد رمى الله عَبَدة العجل بأتباع السامري رمْيَةً ذهبت لها جنود السامري في الشام ذهابا بلا عودة، فتحت لك الطريق من حلب إلى دمشق.

فلا تظن يا صديقي أن الأحد عشر يوما من حلب إلى دمشق  كانت من غير تدبير، ووصولك إلى دمشق الذي ما أوجفت عليه من خيل ولا ركاب كان بعيدا عن هذا اللطف الإلهي، بل كان وصولك بدماء أطفال غزة تحت الركام، والأشلاء الممزقة في كل ناحية، فاحفظ لأهل  غزة حقهم واعرف لهم معروفهم وإنما يعرف الفضل من الناس ذوُوه، واعلم أن الجميع من المؤمنين والمنافقين والكافرين كانوا خداما لإزالة الستار عن اللوح المحفوظ فقط.

نعَم، أقول لك يا شعبنا السوري العظيم إن ما كشف الله به الغمة عن الشام لم تُوجف عليه بخيل ولا ركاب، ولا نصرك أحد فيه، ولا أنت تزعم أن ما عجزت عنه في سنين وتشردتَ في في الأرض، أنك بنفس ضعفك هذا، وصلت إلى كتف المارد بحولك ولا قوتك، لقد كنتَ كغيرك متفاجئا بعطاء الله الذي أدهشك فيه وأدهش الدنيا، وسلب الأسباب منك ومن القوى الاستعمارية ومن محيطك الإقليمي فإذا أنتم جميعا مُبْلِسون حَيْرى لا تَلْوُون على شئ، وأثابك الله بعد الغم أَمَنَة منه، وحجب عنك رؤية قدرته بظاهر من الدنيا يتلهى به المحللون على صفحات الأخبار، كانوا هم أيضا مدهوشين كيف ارتقيت مرتقى صعبا على كتف المارد.

 لقد سلب الله الجميع لإبقاء احتمال واحد هو التدبير الإلهي الفاعل المختار يفعل ما يشاء ينتقم بالظالم ثم ينتقم منه، يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، فلا تقدرون على عَزْوِ النصر إلا الله،  وكذلك أقول لك إن تحرير غزة وفَكَّ أَسْر المسجد غير قابل للتحليل على صفحات الأخبار، كما  كان ذلك قبل تحرير دمشق أفلا تعقلون،  فلم تكن الأسباب والظواهر إلا حجابا للقدرة الربانية الماضية، واعملوا فكلُّ مُيسر لما خلق له، وما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، رُفعت الدبابات وجَفَّت الطائرات.

الحرب على غزة، فتوح الشام، فتح فلسطين، الجماعات التدينية، التجديد الديني، الدراسات المستقبلية، الارتدادات الفكرية للحرب على غزة

الكسر في الأصول لا ينجبر

عبد ربه وأسير ذنبه

أ.د وليد مصطفى شاويش

عمان أرض الرباط

16-رجب -1446

16-1-2025

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to top