انشغَلوا  بالنصر  وانشغل هو بالناصر

[printfriendly]

انشغَلوا  بالنصر  وانشغل هو بالناصر

هاجر النبي صلى الله عليه وسلم من بلاده وأُخرِج داره، وقد رصدت قريش مائة ناقة لمن يأتي به، خذله أهل الطائف، وجنَّد الناسُ عليه الأحزاب من كل ناحية، وودوا لو استأصلوه وأصحابه من الوجود، ولكن هموا بما لم ينالوا، وإذا به يدخل عليهم عقر دراهم في مكة، بجيش عرمرم لا قبل لكل العرب به، أما النبي صلى الله عليه وسلم  فتحيط به كتيبة الحرس الإسلامي الخاص، وتحفُّه من كل جانب، والكل فرِح بهذا النصر العظيم، ويقول:  قد آن أن تنال سيوف الله من عدو الله.

أما هو فلم يكن يحتفل بالنصر العظيم، بل يدخل مكة ورأسه يكاد يصل ظهر الراحلة تواضعا لله تعالى، وقلبه يرى الناصر  بينما يغيب النصر  عن عينية، لم يكن محتفلا بالإنجاز،  بل شغله منصب النبوة  بكمال الله تعالى عن هذه الدنيا، وأن أي عمل صالح قاصر على بلوغ جانب الكمال الإلهي، حتى ولو كان جهادا عشرين عاما تكلل بفتح مكة.

 بل المرحلة يجب أن  تتكمل بالتسبيح لذي الجلال، واستغفار ذي الكمال سبحانه، وأن مرحلة النصر ليست للتصفيق والاحتفال، بل  هي للمراجعة واكتشاف التقصير ، في حين يظن المساكين أن النصر هو  دليل على صواب المسيرة بقيادة الرئيس الرمز، وأن النصر حتمية تاريخية، ونتيجة طبيعية للقائد الملهَم البطل، بينما يفهم النبي صلى الله عليه وسلم أن النصر  ما هو إلا  الانحناء بين يدي الناصر ذي الجلال والكمال.

وتتنزل عليه سورة النصر  لتقول له (فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا) فأنت أيها النبي لستَ كغيرك، وبعلمك بالله تعالى لن يشغلك النصر عن الناصر، ولو كان النصر  فتحا عظيما، دع قلوب المؤمنين تفرح فحُقَّ لهم ذلك، أما أنت أيها النبي فإن الله لا يرى في قلبك إلا هو.   

يخرج النبي صلى الله عليه وسلم من الكعبة وقد صلى فيها ركعتين، وهتك ما فيها من التماثيل، وإذا بالوجوه الفالحة تشمخ في السماء شكرا لله على نعمة الفتح، ولكنها تشُدُّ بأكُفِّها على مقابض السيوف انتظارا لبَدء مرحلة العدالة الانتقالية، بينما يتحسس المشركون رؤوسهم إن بقيت على أكتافها أم  تدحرجت في حجر الكعبة، في ذلك المكان الذي وضعوا فيه سلا الجزور على رأس النبي صلى الله عليه وسلم وهو ساجد لناصره سبحانه وتعالى، والجميع الآن ينتظر  من النبي صلى الله عليه وسلم إشارة الحياة أو الموت، دون أن يرفعوا إليه أبصارهم هيبة وإجلالا لمقام النبوة.

يقول في هدوئه ووقاره وتواضعه في انتصاره: ما تظنون أني فاعل بكم، وهو  يعلم أن كلماتهم لن تعيد الشهداء، ولن تنفع في آلام السنين ووجع الأيام الذي فعله هؤلاء المشركون، نعم لقد سأل السؤال، لا ليسمع الجواب، لأنه أسر العفو عنهم في نفسه قبل السؤال، والسؤال هو الذي حمل العفو إليهم، قبل أن يجيبوا، ليقروا له بنصر الله وهم أحياء، ويغلق ملف الحرب إلى غير  رجعة، فقتلهم  لا نصر فيه.

 إنما النصر هو أن ترى أبناء العم والأهل والعشيرة أحياء لشهدوا لك بالفتح الإلهي العظيم، فما هو النصر الذي يقتل الأخ أخاه، والولد عمه وخاله، لقد رأى نصرا آخر جديدا مختلفا يلوح للناس إلى يوم القيامة، في نصر لا تصبح الكعبة بركة من دماء الأهل والعشيرة، بل لحظة عالمية فارقة بين الانتصار في عالم النبوة الخاتمة، وبين انتصارات الأبطال على ركام الجثث.

قالوا: أخٌ كريم وابن أخ كريم، ولم يكن لهم أن يقولوا غير ذلك، فهذه قريش لا تعرف النفاق والمساومة، ولم تعرض الدخول في الإسلام مقابل العفو في العدالة الانتقالية، فتظهر مرحلة نفاق جديدة في مكة، تمهيدا لانقلاب الفُلول القادم، بل ما كان منهم إلا شِيم الكرام، شيمة قريش عَصَبَة العرب، كبيرة في كل الأيام سواء كانوا أيام الشرك فهُم القادة، أو في أيام الإسلام فهم الخلفاء،  هكذا هم الكبار دائما، صنَعَتْهم الرحمة المحمدية التي أسداها رب العالمين للعالمين،

ولكن أين حظنا من رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهل  نَقْبِسُ جذوة من قلبك، لا لنرحم بها المشركين كما فعلتَ يا رسول الله، بل من أجل يرحم المسلمون بالمسلمين، فقد جفَّت الإنسانية، وتصحَّرت القلوب، فهل تسقيها من جديد؟ ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 الروح المسافرة

عبد ربه وأسير ذنبه

وليد مصطفى شاويش

29-ذي القعدة-1447ه

16-5-2026

1 thought on “انشغَلوا  بالنصر  وانشغل هو بالناصر

  1. مايو 17, 2026 - غير معروف

    رضي الله عن قلمك دكتور ….وصلى الله على نبينا وشفيعنا محمد صل الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرة…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to top