تطويل صلاة الضحى في المسجد الأقصى إذا خاف العدُوّ

أولا: النازلة: صلاة الضحى لدفع العدو:

صلى المرابطون في المسجد الأقصى صلاة الضحى بين طلوع الشمس إلى قرب الظهر، بلغت قريبا من خمس ساعات وذلك في يوم الخميس 5-5-2022، وبالرغم من أن هذه الصلاة كان لها دور في صد العدو عن المسجد، إلا أن الجدوى  من الصلاة جماعة أو القنوت فيها  ليست محل البحث، بل محل البحث هو طول صلاة المرابطين بقصد دفع العدو.

ثانيا: سبب الاعتراض على تطويل الضحى:

              قد يعترض عليها بأن هذه الصورة من الصلاة ليست معهودة في طول وقتها، ولم يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم  ولا أصحابه ولو كان خيرا لسبقونا إليه، والصلاة توقيف ونية صد العدو بها على هذا النحو مغاير لنية الصلاة، فلا تكون جائزة، بل هي بين الكراهة والتحريم، وعليه فهي منهيٌّ عنها بكل حال، للالتباسها بوصفٍ منهيٍّ عنه، وهو الطول غير المعهود فيها.

ثالثا: أصول المسألة: أثَر تزاحم الأوصاف على العبادة:

قد تزاحم أوصاف العبادة كالصلاة يزاحمها وقت النهي، أو في مكان الغصب، وغير ذلك من الأوصاف المنهي عنها أو تلابسها الأوصاف الجائزة مثل دفع الهموم الأحزان وطلب قضاء الحوائج الدنيوية بها، وبذلك تكون الأوصاف الملابسة للعبادة إما منهيًّا عنها أو مأذونا بها شرعا، ولذلك أثَرٌ في الحكم على الصلاة بحسب ما يلابسها من وصف معبتر وغير معتبر ، وتفصيل ذلك فيما يأتي:

1-اعتبار التزاحم وعدمه بين وصفي النهي:

أ-تزاحم وصف النهي مع العبادة:

للصلاة أوصاف ذاتية قد تكون موافقة لها واعتبرها الشارع، كالصلاة للحاجة، والفزع إليها في الملمات، وقد يكون الوصف منافيا للعابدة ومزاحما لشروطها المعتبرة فيكون مفسدا للصلاة  كالصلاة وقت التحريم وبالثياب النجسة مع الاختيار والتذكر، وكصيام يوم العيد، لمزاحمة وقت التحريم للعبادة، (فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ ۖ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) فاعتبر الوصف المقارن مبطلا للعمل كله بسبب مزاحمة الوصف المنهي عنه للوصف المشروع، فاعتبر العمل كله فاسدا، وليس منه شيء صالح.  

ب-انفكاك وصف النهي عن العبادة:

وحيث كان الوصف المنافي لها ليس مزاحما  فينظر إلى الوصف غيز المزاحم مستقلا عن العبادة، كمن يأكل الربا ويزكي، ويغش في التجارة  ويبني مسجدا ، ومن يحج من مال أصله حرام، ومن شرع في الصلاة خوفا من الدائن الذي حل أجل دينه، فهذا يكون خلط عملا صالحا وآخر سيئا، فننظر إليهما بوصفهما عملين مختلفين، كما جاء في قوله تعالى: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)، التوبة:   102،  وقوله تعالى:( لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) البقرة:286، فصح عمله الصالح وهو له، وفسد عليه عمله الفاسد لانفكاك المزاحمة بين العمل الصالح والفاسد.

2-تزاحم الأوصاف المعتبرة شرعا مع الصلاة:

إن الصلاة في مقصدها الأصلي هو التعبد لله سبحانه وتعالى، وقد يستعين العبد بهذه الصلاة على حوائحه الدنيوية، وهذا فيه مزيد من التعبد لأنه شهد له الشارع بالاعتبار في قوله تعالى:(وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) البقرة: 25، والرغبة في جنة الله وخوفا من ناره، فهذه الأوصاف معتبرة شرعا ومقصودة، ولا تناقض مقصود الصلاة الأصلي بل هي معينة عليه ومؤديةٌ إلى سبيله.

رابعا: تنزيل الأحكام منازلها في الواقع:

1-طول صلاة الضحى مطلق:

لم يعين الشارع حدًّا لطول النافلة بل جعل الأمر مطلقا بحسب نشاط العبد وقوته، وعليه الاعتراض بالزيادة لا يجوز في موضع الإطلاق، ولا يجوز تقييد ذلك بالعرف، لأن المطلق شرعا في أمر تعبدي يبقى على إطلاقه، وفعل الناس في زمن ما لا يقيد النص المطلق، وتقييد المطلق شرعا في أمور التوقيف بدعة لأنه زيادة على الشرع.

2-الاستعانة بصلاة الضحى بقصد دفع العدو:

بما أن المرابطين حافظوا على الصلاة شرعا من حيث أركانه مرتبة بشروطها، وإنما كان زيادة الوقت في الركوع والسجود وكان هذا تحت المطلق فهم ما زالوا تحت سلطان الشرع، وقصدهم الإطالة لدفع العدو فهو وصف معتبر مأجور شرعا كصلاة الخوف، وذلك داخل تحت الإذن الشرعي، فهو رباط وإظهار الشعار ودفع للعدو بحسب الوسع والقدرة، بل هو شرف اختصهم الله تعالى به.

3-بطلان اعتراض عدم التاريخ:

إن عدم التاريخ الذي اعترض به المعترض على المرابطين لا يصح، ذلك أن العدم المحض ليس من أدلة الشريعة، ولا يعارض به الأصول الشرعية التي ذكرناها، وقد حذرت مرارات من رد أصول الشريعة بمقول العدم:لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكدت أن أدلة الشريعة وجودية وليست عدمية، وقد بينت في هذا المقال أن الأصول الوجودية في الشريعة ترد التفسير التاريخي العدمي للدين، الذي يؤدي إلى العدمية الدينية، ورد الشريعة.

خامسا: الوجود الذهني للتكليف الشرعي:

كل ما سبق الكلام فيه هو باعتبار الصلاة في خارج الذهن، وهو الوجود الذي نشاهده أمامنا، الذي يتصور فيه وجود ملابسات خارجية من النهي وعدمه، أما الوجود الذهني فهو سابق على الأداء الحاصل في خارج الذهن، والذهن قادر على تصوُّر صلاة مجردة عن الزمان والمكان ومن غير الملابَسات في الخارج، وهذه من القدرات العقلية للإنسان، وهي تصور الصلاة في الذهن ثم إيقاعها أداء بالفعل في خارج الذهن، والشرع اعتبر الوجود الذهني المجرَّد للتكليف، وأيضا على النحو الواقع في خارج الذهن وهو الصلاة فعلا، وأحببت أن أشير إلى الوجود الذهني لأنه سابق في التكليف على الأداء فعلا، وهذه المقالة في الأداء خارج الذهن.

#الخلاصة:

1-لا تخلو العبادة في أداء المكلف لها مِن أن تلابسها أوصاف مشروعة أو ممنوعة.

2-الأوصاف الممنوعة إن كانت مزاحمة أفسدت العبادة وأصبحت عملا واحدا سيئا كالصلاة وقت التحريم والصيام يوم العيد.

3-إن كانت الأوصاف المنهيُّ عنها غيرَ مزاحمة كالحج والمال الحرام، والصلاة وأكل الربا، فإنهما عملان: الصلاة والحج عملان صالحان، والمال الحرام عمل سيء، وهذا معنى قوله تعالى: (خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا)

4-إن كان الوصف الملابِس للعبادة صالحا معينا على قصد الشارع من الصلاة وهو الاستعانة بالله على دفع العدو بالصلاة فهو وصف يعتبر طاعة، تنضم إلى العبادة.

5-التحذير من المقولة الفلسفية الطبيعية التي ترد عمومات الكتاب والسنة وأصول الشريعة بالعدم المحض،  وهي مقولة: لم يفعله رسول الله، التي تطبق تطبيقا مناقضا لأدلة الشريعة العامة.

6-يجب التفريق بين الحديث الوعظي الذي ينفر من خلط العمل الصالح بالسيء كالحج بمال حرام، وبين الحديث الفقهي  المعني ببيان الأحكام، وكلاهما مطلوب.

7-أخبار الوعظ الشائعة في الترغيب والترهيب لا يستفاد منها أحكام فقهية، لأن الوعظ قائم على الزجر والمبالغة.

8-يجب التمييز بين النظر الفقهي في بيان الشريعة وبين الحالة الفكرية الانطباعية التي تعبر عن هوى صاحبها وميوله الدينية الذي يجعل هواه دينا، على وفق فكرةالحزب والجماعة، لا على وفقه أصول الاجتهاد الفقهي.

9-التمييز بين التكليف الحاصل بالذهن وهو مجرد عن الملابسات، وبين التكليف باعتبار الأداء فعلا وهذا هو محل النظر في الملابسات المؤثر في الصحة والفساد.

10-لا يصح التكليف إلا بتعقل الأمر الشرعي وذلك بالذهن، ولولا تعقل التكيلف، لسقط التكليف.

الكسر في الأصول لا ينجبر

الطريق إلى السنة إجباري

عبد ربه وأسير ذنبه

أ.د وليد مصطفى شاويش

عَمان الرباط

11  -شوال-1443

13-5-2022

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top