[printfriendly]
تعليل التكفير بالولاء والبراء
1-علة الولاء والبراء حالة فكرية لا اجتهاد فقهي:
لم يبين الذين استحدثوا علة الولاء والبراء مسلك هذه العلة حسب المعروف في مسالك العلة في أصول الفقه، ولا عَرَضوا هذه العلة على شروط صحة التعليل بالعلة في كونها وصفا ظاهرا منضبطا، ولا عرضوا هذه العلة على مبحث قوادح العلة، ولم يبحثوا هل يجوز إحداث علل جديدة في الكفر والإيمان وإحلالها محل العلة المجمع عليها عند أهل السنة وهو أن الكفر جحود معلوم من الدين بالضرروة مع تحقق الشروط وانتفاء الموانع، ونسي الدعاة الجدد أن إحداث علل جديدة يبطل العلل السابقة، ويضلل الأمة التي خَلَتْ من الحق، أي خلت من العلل المحدثة التي أحدثها التفسير الديني المعاصر لعقائد الإسلام،
2-التكفير بالولاء والبراء تكفير سياسي في مركزية السلطة وغياب مركزية الأمة والفقه:
من الطبيعي أن تتراشق الجماعات الدينية بالتكفير بناء على عِلةٍ هلامية، قابلة لقراءات تفسيرية متعددة ومتضادة، حسب الجماعة وظرفها السياسي، مما يعني أن هذه المقولة في الولاء والبراء ليست علة مستنبطة بشروط الاجتهاد الفقهي، بل هي رؤية من الفكر الدعوي الذي استخدمها الدعاة في التكفير السياسي بين الجماعات، وفرَّق دين المسلمين وأفسد جماعتهم، وقطع أرحامهم، لأنه فكر متجاوز قام أصلا على مفارقة الجماعة، واختراع عصور وسطى مظلمة داخل الإسلام، ليبرر لنفسه هذا التجديد بالتَّبديد، ففرَّق المتفرِّق أصلا، وهدَم الشهادتين للمسلمين جملة بأوهامه الدينية.
3-الفُرقة من علامات البدعة والجماعة من علامات السنة:
وإن الفُرقة من علامات البدعة، وتجاوز معالم أهل السنة والجماعة في الكفر والإيمان، واتهام فقههم باطلا بالجمود وعدم الدليل، وأدى ذلك إلى الاستخدام التحكُّمي لهذه المقولة في الولاء والبراء المحدَثة المتشابهة حمالة الأوجه في التكفير السياسي، وكفَرَتْ بالإيمان المجمع عليه أنه إيمان عند أهل السنة، وهدمت قاعدة الشهادتين التي هي مقوم الوحدة الإسلامية، قال تعالى: (ومن يَكفر بالإيمان فقد حَبِط عمله)، وما تفرق هؤلاء إلا بعدما جاءهم العلم بالإجماع والمحجة البيضاء بأن الكفر جحود معلوم من الدين بالضرورة، فتنكبوا المحجة البيضاء وغرقوا في المتشابهات، وتلاعنوا في الجنازات.
4-الجماعات الدينية لا تتراجع ولكن تتكيف:
تقوم الجماعة الدينية الدعوية على رمزية الأب العظيم الذي ظهر في الفراغ الكبير، والبريق الدعوي الذي تقدم الجماعة نفسها من خلاله، وأركان البريق : داعية، ورواية، وجمهور، وكاميرا، وتحرص على الحشد التعبوي للجمهور، أكثر من البحث عن الحقائق، لذلك تراها تستعمل الشعارات العريضة، دون تقديم حقيقة بنائية في المجتمع، خلافا لما يقدمه المذهب الفقهي فروعا وأصولا ورواية، في معالجاته الدقيقة في التفاصيل، ولا تستطيع الجماعة أن تُراجع مقولاتها، لأنها قدمت نفسها على أنها الحق المطلق والفرقة الناجية، بل تسعى للتكيف والتكتيك الحركي السريع لاستيعاب الواقع في العهد الجديد، مع السكوت عن نقد العهد القديم، أو إعادة تفسيره بما يتفق مع العهد الجديد.
الكسر في الأصول لا ينجبر
عبد ربه وأسير ذنبه
أ.د وليد مصطفى شاويش
عَمَّان المحروسة
10- جمادى الآخرة -1447
1-12-2025
