حوار مع أخي: الحلقة (1): التسرع والغلو في تكفير المسلم

أخي اليوم شاب قوي البنية، فيه حدة في الخلق، ويحب الإسلام أيضا، وهو يخاف على الدين كخوفه على روحه، ولكن لا يعني أنه كذلك، أنه مصيب في طريقته في التعامل مع غيره من المسلمين، فربما دفعته حماسته الزائدة للوقوع في الخطأ، وقد يكون الخطأ من الخطأ القاتل، أو الممهد للقتل، والخطأ في فهم الشريعة أحيانا لا يقل خطرا عن خطأ الأطباء، بل هو أخطر، لأن ضحايا الخطأ الطبي في أسوأ أحوالهم يُدَسُّون في التراب، ثم يـتقبل فيهم العزاء والمواساة، بينما يبقى المخطئون في فهم الشريعة يمشون بين إخوانهم من المسلمين، وربما يقطع أحدهم يمينه بيده، وهو يحسب أنه يحسن صنعا، ومثالا على ذلك، كتب الحوار الآتي مع أخي، وأحببت أن أطلق عليه اسم: عزيز، لما رأيته من شعوره بعزة الإسلام:

بعد المصافحة والسلام

وليد: أخ عزيز، هل ترى تكفير مسلم بعينه مسألة من باب القضاء أم من باب الإفتاء؟

عزيز: من باب الإفتاء.

وليد: لنفترض أن هذا صحيح، فلنذهب في هذا الطريق، فإن أدى بنا إلى خير فالحمد لله، وإلا رجعنا مستغفرين.

عزيز: قبلت.

وليد: إذا جاءك يا عزيز رجل، وقال لك: شُرب الخمر حلال، فماذا أنت فاعل؟

عزيز:مَن استحلّ (أي اعتقد أنه حلال) الخمر، فهو كافر باتفاق علماء المسلمين، لأنه أحل ما حرم الله تعالى.

وليد: ماذا تفعل به؟

عزيز: أنفِّذ الحد الشرعي، وهو حد الردّة، وحد الردة هو القتل.

وليد: إذن تقتله؟!

عزيز: نعم.

وليد: بعد أن افترضنا قتله، ظهر أهله، وسُئلتَ يا عزيز عن ذلك، فقلتَ أقمتُ حدَّ الشرع عليه، وهو حد الردة!

عزيز: نعم هذا صحيح.

وليد: قال لك أهله هذا مريض نفسي يُعالَـج منذ سنين، وأنقذناه من ثلاث محاولات انتحار، ولكنه وجدك الشخص المناسب الذي يمكن أن يُعِينه على ارتكاب جريمة الانتحار، لأنك لا تستطيع أن تتحرى حالته النفسية بقدرتك الشخصية، كما يمكن للقاضي المسلم الذي يطلب استشارة طبية، للتأكد من انتفاء موانع التكفير حسب وتحقق الشروط، وتطبيق إجراءات التقاضي في الإسلام.

عزيز: مترددا، لا بل استشير طبيبا نفسيا قبل التنفيذ.

وليد: هذا بعد اكتشافك خطأك الفادح، وافتراض أنك قتلتَه، وقتلت المسلم المسكين المريض، بسبب جهلك بالإجراءات الشرعية في الحكم بالردة وآثارها الشرعية، ولكن مع ذلك سأسير معك حتى نهاية الطريق، هل لديك سلطة تستطيع بها تكليف طبيب حلف القسم الشرعي بفحصه، وله خبرة موثوقة في هذا المجال؟

عزيز: لا توجد لدي سلطة، ولكنني سأحكم بالكفر دون أن أقتله كما فعلت في الأولى.

وليد: إذن هو كافر فعلا، ولكنك لا تنفذ فيه الحد حتى لا تقع فيما وقعت فيه سابقا من سفك الدم المعصوم جهلا بالإجراءات الشرعية!

عزيز: هذا صحيح.

وليد: هَبْ أن هذا الرجل المستحِلّ للخمر هو زوج أختك، ما علاقة أختك معه بناء على أنه كافر؟ أهي زوجية مشروعة أما زنا محرم؟ وبما أنه كافر وبالإجماع فلا تحـِل المسلمة للكافر؟ فهل ترضى أن تبقى أختك على علاقة محرمة معه؟ على فرض بقاء حُكمك عليه بالكفر؟

عزيز: طبعا لا!

وليد: ماذا ستفعل؟ قل لي يا أخ عزيز! هل تأخذ أختك منه؟ هل تفسخ الزواج؟ فُسَّاق المسلمين لا يرضون بقاء أعراضهم في علاقة محرمة مع زوجية يجب فسخها، فكيف بك أنت الشاب المتدين الغيور على الدين؟!!

عزيز: في حَيـْرة، ماذا يقول؟

وليد: سأستمر معك، يا أخ عزيز، افترِض بعدما فعلتَ ما فعلتَ، جاء رجل ثانٍ فقال لك يا عزيز، أنت كفَّرت مسلما، ومن كفر المسلم فهو كافر مثله، إذن أنت يا عزيز كافر، وبذات الطريقة التي اتبعتها أنت يا أخ عزيز، كفَّرك ذلك الرجل الثاني، ثم جاء ثالث فقال أنتم المسلمون يكفر بعضكم بعضا، ولا بد أن أحدَكما كافر، وأنا لم أَعُد أعرف المسلم من الكافر، فكيف يتزوج الناس، ويصلون، ويحجون، وهم يكفر بعضهم بعضا، أليست هذه النهاية المأساوية يا عزيز تحصل بناء على منهجك وطريقتك التي فرضنا صحتها، واتبعناك فيها؟ وهي أنك ترى أن من حقك الإفتاء بالتكفير؟

عزيز:؟؟؟؟؟

وليد: هل تظن يا عزيز هذا هو المجتمع المسلم الذي ســـنـــُــــقدِّمه للعالم ليقتديَ بنا؟ هل تظن يا عزيز هذا هو شكل الأمة التي سيفاخر بها النبي -صلى الله عليه وسلم- بها الأمم يوم القيامة؟؟؟!!!

عزيز:أكيد لا!!!

وليد: إذا كانت هذه هي النهاية المؤلمة، ألا تحب يا عزيز أن نرجع من هذا الطريق الذي سلكناه وراءك على فرض صحة رأيك، وأوصلنا إلى هذه الدماء والأخطاء القاتلة؟ وأليس من الأفضل أن نسند الأمر إلى أهله من القضاة والمختصين، ونَسْلَم بذلك عند الله تعالى؟

عزيز: نعم هذا صحيح.

وليد: لكن يا عزيز هل يعني هذا أنه لا دور لي ولك في الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة؟ ألا ترى أن من واجبنا تحذير المجتمع من الوقوع في الكفر؟ ومحاربة الجهل الذي يؤدي إليه؟ فلا يجوز لنا يا عزيز أن نسكت، بل علينا نحن الأفراد إنكار المنكر بالكلمة والتحذير الذي يحمي المجتمع من الضلال. أليس من الأفضل أن نحترم القضاء الشرعي وجهات الاختصاص؟

عزيز: بلى.

وليد: ألا تحب يا عزيز أن نكون أصدقاء، وإِخْوة في الله تعالى؟

عزيز: بلى.

     بعد عدة لقاءات مع الأخ عزيز شعرت أن فيه خيرا كثيرا، وأحبَّ أن يقرأ في علوم الشريعة، وأحِب له أن يقرأ القضاء في الإسلام، ليعلم قيمة الإنسان، والدماء المعصومة التي عصمها الله تعالى، وأن من عصمة الله تعالى للدماء أنه شرع القصاص والحدود الشرعية ومنها حد الردة، وهذا الحد هو لِـــوَأْد الحرب على دماء الأبرياء، لا لسفك دمائهم، وذلك لما تنطوي عليه الردة من حرب على المسلمين ودينهم، ولكن يبقى أمر الحدّ إلى الجهة القضائية المختصة، التي لها صلاحية التأكد من تحقق شروط الحكم بالردة وانتفاء موانعه.

توضيحات:

الإفتاء: الإخبار بحكم الله تعالى على غير وجه الإلزام للمستفتي، لأن المستفتي يطلب بالفتوى البراء من المحاسبة في الآخرة، ولا يصح له الاحتجاج بالفتوى على الغير في أموالهم ودمائهم، بل هي قاصرة عليه وبناء على ما يصرح به من نيته وأقواله هو.

القضاء: الإخبار بحكم الله تعالى على وجه الإلزام، ويكون بناء على الظاهر، والله يتولى السرائر، فقد يحكم القاضي، بإسلام المنافق، وتجرى عليه أحكام المسلمين في الدنيا، وهو عند الله تعالى من شَرّ أنواع الكفار، وهو في الدرك الأسفل من النار، وهم أعدى الناس على الإسلام والمسلمين، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم، هو يعلم أنهم محاربون لله ورسوله، ولكنه أجرى عليهم حكم الظاهر.

مقالة مُكَمِّلة، يرجى النقر على الرابط أسفله

تكفير الأشخاص بأعيانهم حكم قضائي ليس من باب الفتوى

 

وكتبه الفقير إلى عفو ربه

د. وليد مصطفى شاويش

صبيحة الجمعة: 6/3/2015

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top