طاعة ولي الأمر بين الاختيار والاضطرار في فقه العمران ومقاصد الشريعة

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، فقد أخرج مسلم في صحيحه عن تميم الداري أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (الدين النصيحة» قلنا: لمن؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)، وإن المجتمع يتكون من أرض وشعب وسلطة.

ولا بد من صياغة تأصيل شرعي يمكن من خلاله صناعة التوافق الاجتماعي والسياسي والاقتصادي بين هذه الأركان الثلاثة، وبيان أولوياتها على فرض التعارض بينها، ولعل العلاقة بين الشعب والسلطة هي التي تمثل قطب الرحى في البحث في نطاق الدولة والمجتمع، وتأتي هذه المقالة بوصفها مقالة تأسيسية مبينة للخطوط العريضة في الموضوع، تتبعها مقالات تالية أكثر تدليلاً وتعليلاً، وأحسن تفصيلاً وتمثيلاً.

أولا: تحديد المقصود بولي الأمر:

تنطبق ولاية الأمر على الحاكم الأعلى الذي يتولى أعلى سلطة في الدولة، وعلى العلماء الذين يبينون الشرع، بالإضافة إلى الولايات الخاصة كولاية القاضي وولاية الأب على أولاده، وجوهر هذه الولاية  في جميع مستوياتها هو منافسة المتولِّـي في مصالح المتولَّى عليه، والحديث هنا عن الولاية العامة المتمثلة في رأس الدولة اليوم، وهو الذي تنصرف إليه كلمة ولي الأمر عند الإطلاق، وهو محل البحث في هذه المقالة.

ثانيا: تمييز الضروري الأصلي والحاجي التكميلي في طاعة ولي الأمر:

تنقسم الواجبات على ولي الأمر إلى مستويات ثلاثة، هما:

1-الأصلي الضروري في ولاية الأمر:

إن أصل ولاية الأمر هو منع العامة عن ظلم بعضهم بعضا، وقطع الفتنة التي تذهب بالدين والنفوس والأموال والأعراض، أي حفظ الضرورات الخمس: الدين، والنفس، والعرض، والعقل والمال، على مستوى الأصل في بقائها، وحماية أصل وجودها من الضياع.

2-التكميلي الحاجي في ولاية الأمر:

              وهو ما زاد على الأصل الضروري، من الأوصاف التكميلية للضرو رات الخمس السابقة، كبذل الرعاية الصحية الزائدة على حفظ ضروري النفس، وزيادة الدخل للفرد، وتحقيق الاكتفاء الذاتي، وتطوير الحياة الاقتصادية والإدارية، ودعم البحث العلمي، وما إلى ذلك من الأوصاف التكميلية التي تكمل الضروري.

3-التكميلي التحسيني في ولاية الأمر:

وهذه التحسينات أقل رتبة في أهميتها من الحاجي التكميلي، وتعتبر قمة الرفاه الاجتماعي في المسكن والدخل والرعاية الصحية، وضمان حياة رغيدة لجميع أفراد المجتمع، ولو تحدثنا عنها اليوم في عالمنا العربي لكانت ضربا من الخيال، بسبب الاختلالات الحاصلة في الضروريات، التي هي شرط في الحاجي والتحسيني، فلا يمكن أن يحصل التكميلي مع هلاك الضروري وفواته.

4-الوصف التكميلي لا يعود بالإبطال على الضروري الأصلي:

أ-علاقة الضروري بالتكميلي:

إنَّ نقص الوصف التكميلي لا يجوز أن يُلغي الضروي الأصلي، وأن يعود عليه بالإبطال، كأن تُهدَم الدولة التي تحفظ النفس، بسبب نقصان التكميلي كعدم كفاية الدخل، فيفوت عندئذ ضروري النفس بسبب نقص  الحاجي التكميلي،  والصواب أن يُقدَّم حفظ ضروري النفس إذا تعارض مع التكميلي الاقتصادي مثلا، مع وجوب السعي في تحصيل التكميلي، بالإضافة إلى المحافظة على الضروري في إطار الجماعة ونبذ الفُرقة.

ب-حماية الضروري من أجل تحصيل التكميلي:

 وعلى ذلك دَرَج فقهاء أهل السنة والجماعة في لزوم الجماعة، بالرغم من ظهور انتكاسات حصلت في الخلافة الأموية والعباسية والعثمانية، وذلك للمحافظة على الضروري في قطع دابر الفتنة والتهارج الذي يُهلك العامة، ويفتح شهية العدو الخارجي وعين النفاق الداخلي، ولأن انعدام الضروري يلزم منه انعدام التكميلي، ولا يلزم من انعدام التكميلي انعدام الضروري، فلا بد من حراسة الضروري من أجل تحصيل التكميلي، وليس هدم ضروري الدولة وتفكيكها من أجل حقوق مشروعة، ومن واجبات الدولة ولكنها في رتبة التكميلي.

ثالثا: جمع طاعة ولي الأمر مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

أ-طاعة ولي الأمر أو الانشقاق:

لم يرَ الفقهاء وعلى رأسهم الأئمة الأربعة تناقضاً بين وجوب طاعة ولي الأمر وقاعدة النهي عن المنكرات، فكلاهما أمْرُ الله تعالى ويجب إقامتهما، على وفق قواعد الجمع والتعارض والترجيح، فأوجبوا طاعة ولي الأمر وحرموا الخروج عليه والانشقاق عن المجتمع، وفي الوقت نفسه أنكروا المنكرات على ولاة الأمر، حتى نالهم الأذى في ذلك.

ب-تأثير الحداثة في تفسير علاقة الحاكم بالمحكوم:

ثم خلَفَت من بعدهم خُلوف خدعتهم الحداثة، ومزقوا شريعتهم وفرقوا دينهم، وجعلوا طاعة ولي الأمر ذلا وجبرية وخنوعا للباطل، وأصبحت طاعة ولي الأمر منكرا في نظر المعارضة، بينما تحوَّل إنكار المنكرات إلى تحريض على ولي الأمر وتفكيك المجتمع، وحالةٍ من المناكفة والشد العكسي.

ج-خطورة تفسير الشريعة في كليات الحداثة:

 وصار المنكر معروفا والمعروف منكرا، ثم أمروا بالمنكر ونهَوا عن المعروف، واستعصى عليهم فهم أئمة الفقه الإسلامي لطاعة ولي وفق تناقضات الحداثة في الولاء والمعارضة، ناهيك عن تبادل الأدوار بينهما حيث تتناقض المواقف بسبب تبدل الأدوار، ونَسُوا أن أئمة الفقه كانوا منحازين للشريعة في كلا الأمرين: طاعة ولي الأمر، وإنكار المنكرات، ولم يفرقوا دينهم شِيَعا إلى ولاء ومعارضة، كما فعل الواقعون تحت  زَوبعة الحداثة وغبارها الذي حَجَب الرؤية.

رابعا: قطعيات فقه المجتمع في النهي عن المنكر:

1-المرجعية العليا للإسلام:

لا يمكن أن تُساس أمتنا بغير الإسلام، ذلك لأن الدولة ونظامَها جزء من النظام الاجتماعي وسلوكه، فلا يمكن للإلحاد واللادين أن يكون سبيلا صالحا للسياسة والحكم في أمة صنعها الوحي، وكان سببَ وجودها، وحفظِ بقائها، كما لا يمكن تقسيم الإسلام إلى تناقضات الولاء والمعارضة في الحداثة، لأن الله تعالى ورسولَه -صلى الله عليه وسلم- فوق تقاليد الحداثة، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وهم يمثلون صِمام أمان لكل المجتمع حكومة وشعبا وأرضا، وهم السد المنيع الذي يحمي الجميع من الانزلاق في محرقة الفتنة والفوضى، ومنازعة الأمر أهله، وبما أن طاعة ولي الأمر والنهي عن المنكر قواعد شرعية فإنها لا تخضع لتناقضات الولاء والمعارضة في الحداثة، وكذلك الفقيه وارث النبوة فوق تناقضات الحداثة.

2-قطعي الاستقرار ودرء الفتنة:

ويشمل ذلك استتباب الأمر للحاكم الذي يكون مسؤولا عن ضروري الإمامة في حفظ الدماء والأموال وحماية الأمة، ولا يستمر ذلك إن نازع الإمامَ حاكمٌ آخر في السلطة، فلا بد من الالتفاف حول الحاكم ولزوم الطاعة، خصوصا عندما يصبح الحاكم هو المؤسسات، التي تسير وفق إجراءات إدارية مؤسسية، وأن الإصلاح يكون من داخل المجتمع حاكما وشعبا، لا بالانشقاق على المجتمع، وارتكاب موجات الفتنة، التي يتحول الشعب فيها ضحية، وتتحول الأمة  من الفساد ألأصغر إلى الفساد الأكبر، بسبب عدم التزام قواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتضييع الوصف الضروري في الإمامة، بسبب نقص الوصف التكميلي.

3-الانحياز للقواعد العامة عند الاختلاف:

إن قرارات السياسة الشرعية مبنيّة على أسس شرعية وفنية سياسية واقتصادية وإعلامية واجتماعية وغير ذلك، وهي ليست بين يدي المفتي والقاضي وعموم أفراد المجتمع، بل بين يدي رأس الدولة ومجلس السياسات المؤلف من الخبراء، نظرا لما تقتضيه صفة السرية أحيانا وخصوصية الدولة، ولكن في حال توقع وجود خلل وإشكال في القرار، لا بد من الانحياز للثوابت، دون إخلال بالتوازن والاستقرار الأمني للمجتمع، وأن الإصلاح هو تغيير المنكر  وليس التحريض والانشقاق، ومِن هذه الثوابت التي يجب الانحياز إليها:

1-إن الأمر بالصبر على الواقع ليس إهمالا ولا تسليما بالأمر الواقع،  بل عمَل على إصلاحه بنفس طويل، فلا يكون الأمر بالصبر شرعا إلا من أجل العمل المستمر في تحصيل المصالح الضرورية والتكميلية دون الإخلال بنظام المجتمع.

2-يجب حماية المجتمع من قوى الشد العكسي بين الولاء والمعارضة التي تؤثر في بنية المجتمع التي تؤدي إلى ضياع الضروري في تحصيل التكميلي فلا يبقى ضروري ولا تكميلي.

3-الأخذ بعين الاعتبار أن صانع القرار لم يعُد شخصا، بل هو هيئة ومؤسسة ولكن يديرها الإنسان، وأن صلاح الإنسان هو ركيزة صلاح المجتمع والعالم.

4-العمل العلمي في الجوانب الفنية والشرعية، وتزويد صانع القرار بالنصح بأصوله الشرعية، والعمل على المحافظة على الاستقرار الاجتماعي.

5-الالتزام بالقواعد العامة والثوابت: فلو أبيح الربا أو الخمر أو غيرها من الناحية القانونية فيجب البيان الشرعي بالتحريم، وبناء البدائل الشرعية مع الصبر على التغيير والإصلاح والأمل بالله تعالى.

6-الأخذ بعين الاعتبار قطعيات الأمة في حياتها، ومصالحها، وحريتها، وكرامتها، وأرضها ومقدساتها، وأن هذه كلَّها ثوابتُ وخطوطٌ حـُمـْر لا يجوز تعَدِّيها بحال، وأن أرض الأمة ومقدساتها حرام على الغزاة والمعتدين.

7- الإصلاح يكون من داخل المجتمع، وليس بالانشقاق عليه، والتحريض على ولي الأمر، أو أي فئة في المجتمع.

8-لا يجوز للأفراد استخدام القوة العنيفة بتاتا لإحداث التغيير.

9-عدم التهاون أبدا في البيان العلمي، وفق أصول البحث في العلوم الشرعية، بعيدا عن توظيف الشريعة في أي اتجاه.

10-التركيز على الحوار العلمي البناء والبعد عن الأسلوب الخطابي التحريضي بين المسلمين أيا كان.

9-تمثل الإجماعات العقدية والأصولية والفقهية جوامع الأمة (أهل السنة والجماعة) ويحرم خدشها أو التعرض لها.

11-رفض أي محاولة لتطويع الشريعة للواقع، أو تحريفها لإرضاء ذوي الأفكار المنحرفة.

12-الاستفادة من وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي في نشر المعرفة الفقهية في شؤون المجتمع.

13-تقوية البنية الاجتماعية بالتحذير من الدعوات التي تفرق بين المسلمين بسبب الإقليمية والعصبية والغلو في الدين.

14-التربية الإيمانية، وإصلاح مناهج التدريس في العلوم الطبيعية والشرعية، بما ينهض بالأمة ودينها.

15-خطورة اقتحام الدهماء وسيادة الغوغاء الذين يوجهون خطابا شعبويا تفكيكيا، يثير الفوضى ويغذي قوى الشد العكسي التي تؤدي لانهيار البنىة الاجتماعية والدولة.

مقالة ذات علاقة: 

أسئلة ضرورية في فقه الإمامة والدولة

أ.د وليد مصطفى شاويش

عَمان الرباط

14-8-2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top