[printfriendly]
عندما يخرج الباطل في زينته فلا تتركوا الحقيقة عارية
1-الهوى هو الميل نحو الطبع:
إن الشرك دخل على الإنسان من جهة عاطفته وشعوره بالخوف والحاجة، فاخترع الإنسان آلهة من أجل يشعر بالأمان معها، وعاش على وهم أنها تعطيه وتشفيه وتنصره في الحرب، وهكذا يكون خطاب الجمهور هو مخاطبة الرغبة التي عنده بالعزة والحمية دون حقائق، وينجح خطباء الجمهور إن هم أحسنوا الدخول على منطقة العاطفة الخفية ووعدوا جمهورهم بما يحب من الانتصار ومكافحة البطالة، والمجد والخلود للشهداء، لن يسأل الجمهور عن الآليات والتدقيق في الحقائق والمصطلحات، بل سيعُد ذلك من قبيل التفلسف الذي يؤخر الانتصار، ويعيق المكاسب السريعة المطلوبة فورا.
2-إن اتبعتم الآباء بالباطل فاتبعوا أباكم إبراهيم بالحق:
لم يغفل النص الشرعي عن هذه الحقيقة الإنسانية، بل جاء بالحقيقة مقرونة برغبة الإنسان بالوعد الإلهي بالجنة والعز والنصر في قالب إعلامي، فإن كنتم تحبون آباءكم واتبعتموهم بالباطل، فلماذا لا تتبعوا آباءكم بالحق، وهو أن تتتبعوا آباءكم كإبراهيم (مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ) فلم يُلغ اتباع الآباء وعاطفة الأبناء، بل أمر باتبع الآباء على الحق كإبراهيم عليه السلام.
3-الإخلاص في الجهاد لا ينفي قصد الغنيمة:
كذلك أمرهم بالإخلاص في الجهاد في سبيل الله، ولكن خاطب رغبتهم لكن في طريق الحق، قال الله تعالى: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَٰذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا (20) وهذا لا ينافي الإخلاص، لأن هذه الغنائم هي بالقصد الثاني لا يناقض القصد الأول في الإخلاص لله تعالى، لأن الشارع لو أمرهم أن يتركوها لتركوها فدل على أن الشرع عندهم بالقصد الأول.
4-القتال للوطن بالقصد الثاني يجتمع مع في سبيل الله:
عندما ترى تدينا جلفا غليظا، يحارب الجبلة التي خلق الله الناس عليها، ويضيع الحكمة من الجبلة، فيقول إن القتال من أجل الوطن لا يصح، لأن الجهاد لا يكون إلا في سبيل الله، فاعلم أن هذا التدين لن يعيش طويلا، سيدفن تحت ركام العاطفة، لأنه يسير عكس الخلقة التي خلق الله الناس عليها، وكان ينبغي أن يكون الحق قائدا للعاطفة ومرشدا لها، كقوله صلى الله عليه وسلم: (من قتل دون ماله فهو شيهد)
5-عبادة الأضحية والحج تجتمع مع الجبلة:
وطلب الشارع من المكلف أن يحسن اختيار الأضحية لتكون الأفضل لحما ليأكل لحما طريا، حتى يلهج القلب شكرا على النعمة، وفي الحج قال لهم (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) فجمع الذكر والتجارة لهم في عبادة الحج، لكن التجارة بالقصد الثاني والعبادة بالقصد الأول، سبحان من أمر بالعفو عن المسيء إليه، واستثار عاطفة العافي عن أخيه، (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (22).
6-نحو إعلام تزيين الحقائق:
وعليه فإن الكتاب العزيز بوصفه بلاغا للناس لم يقدم الحقيقة عارية، بل قدمها من داخل الإنسان في حبه للخلود، وميله للدنيا، فجمع له زينة الدنيا وسعادة الآخرة، والأمر يتعلق بجعل حظ العبد هو القصد الخادم، والتعبد هو القصد المخدوم، في ثنائية جمع تنفي الدنيوية الفانية بلا دين، أو تدين زائف بلا دنيا، وهذا ميزان لا يكون إلا بالشرع، لأن الإنسان يميل لأحد الاتجاهين وينسى الآخر ومشقة التكليف في اتباع الشرع بالجمع بينهما.
الكسر في الأصول لا ينجبر
عبد ربه وأسير ذنبه
وليد مصطفى شاويش
23-صفر-1448
8-8-2026
