قوة دلالة التنبيه في امتداد النص الشرعي
تمهيد: في التعريف بدلالة التنبيه والأمثلة عليها:
دلالة التنبيه أن يذكر المتكلم شيئا ويجعل كل ما يشبه ذلك الشئ مثله في الحكم، كقوله تعالى: (ولا تقل لهما أف) فنبه على الإيذاء الأدنى بتحريم كل ما هو مثله وفوقه، وكقوله تعالى (لا تأخذه سنة ولا نوم) فالسنة هي أدنى درجات الغفلة والنوم أعلاها، ونفى بذلك كل غفلة بنفي الأدنى والأعلى ليشمل كل ما بينهما، وحرم أكل الربا ومال اليتيم في أكثر حاجات الإنسان وهي الأكل لينبه على أنه إذا حرم في الحاجة العليا وهي الأكل فمن باب أولى أن يكون فيما هو أدنى من الحاجات كاللباس والركوب وغير ذلك، ودلالة التنبيه هذه كثيرة في السنة، ودليلها من اللغة المجاز وهو ذكر الجزء وإرادة الكل، وهذا كله داخل في دلالة منطوق النص، وحكمه حكم النص، ووددت أن أشير إلى ما هو في مثلها:
1-من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة:
فقول لا إله إلا الله، يشمل كل ما هو إقبال على الآخرة، فلو قال المتحتضَر: صلوا، أو زكوا، أو قال سبحان الله، أو قال الله أكبر ، فلا يلقن لا إله إلا الله من جديد، لأنه جاء بما هو أخروي، وكيفية التلقين أن يذكر الله عنده بلطف، ولا يقال للمحتضَر: قل لا إله الله، فهذا قد يُضْجِره، ولكن من حوله يتداولون الأذكار بينهم ليسمعها المحتضَر ويتذكرها.
2-ويلل للأعقاب من النار :
نبه الحديث على بقعة يشق غسلها في العقِب، والمراد هو كل موضع يترك في مواضع الفرض في الوجه أو اليدين، فيأتي التنبيه على ما قد يشق، ويراد كل ما هو مثله في فرائض الوضوء.
3-وخيرهما الذي يبدأ بالسلام:
يظن بعض المتخاصمين أنه يرفع الهجران بمجرد السلام على خصمه، وهذا فهم لا يصح، لأن السلام من باب دلالة التنبيه على ترك الهجران والخصومة والعودة للتواصل والزيارة والتهادي كما كان من قبل الخصومة، فإنْ اكتفى بالسلام دون إعادة العلاقة إلى ما كانت عليه قبل الخصومة، فهذا مخالف لمنطوق الحديث لأن دلالة التنبيه بالبدء بالسلام تشمل العودة للتهادي والتزاور وترك كل قطيعة، وهذا يعلمه أئمة الاجتهاد فحول اللغة والبيان، وليس ابن الجيران في خطاب السعادة، والرأي العام.
4-صاعا من تمر :
ذكر الشارع في صدقة الفطر أصنافا، يجمعها أنها أقوات، تقيم حياة الإنسان، فلا تدخل الخضار والفواكه، مع أنها طعام، ولكن دخل الأرز واللحم وغيرهما وإن لم تكن مذكورة لفظا، ولكن اللغة بأصولها دلت على هذا المسكوت، وأكدت أن غير المذكور في رتبة المنطوق لفظا.
5-والملح بالملح:
نبه الشارع على وقوع ربا الفضل في كل مصلحات الطعام بلفظ الملح، فهو رأس المصلحات: كالزيت، والبصل، والثوم، والفلفل، فهذه دلالة التنبيه دلّت عليها اللغة بالمجاز الذي يذكر بعضه ويراد كل ما هو مثله، وهذا أدى إلى بلاغة الاختصار في النص الشرعي وعدم تضخم الألفاظ والتكرار بالتعداد، وإرهاق الذهن بالحفظ، بالاعتماد على الفهم.
6-إذا تبايعتم بالعِينة:
ذكر الشارع أن من علامات الساعة التبايع بالعينة، وهي صورة بيع مع حقيقة الربا، وهو تنبيه على ما سيقع من الحيل الربوية بين يدي الساعة، وهو أيضا وعيد على كل البيوع الفاسدة، بدلالة المجاز في اللغة، بذكر الجزء وإرادة الكل كقوله تعالى : (فتحرير رقبة مؤمنة) فذكَر الرقبة وهي الجزء وأراد الكل وهو العبد.
*الخلاصة:
1-أهمية اللغة في بيان دلالة المنطوق والتمييز بينها وبين القياس، ولا مانع من ثبوت الحكم بمنطوق النص والقياس معا، ولكن ذلك لا يخرج المسألة من كونها نصية ولو ثبتت بالقياس، وهذا مفيد في الترجيح عند التعارض باعتبار كثرة الأدلة ورتَبها.
2- كما تؤكد دلالة التنبيه على قوة امتداد النص الشرعي بين أئمة النظر والاجتهاد، وأنهم هم أئمة الدين والقدوات الصالحة.
3-الذكاء الصناعي خطير على المعرفة الدينية والنص الشرعي، لأنه لا يفقه المعنى، بل هو مجرد خوارزميات لا تفقه حديثا.
أصول الاجتهاد، دلالة التنبيه، المجاز في اللغة، المجاز في القرآن، الذكاء الصناعي واللغة، شروط الاجتهاد، التبايع بالعينة، أكل الربا، تحريم الربا
الكسر في الأصول لا ينجبر
عبد ربه وأسير ذنبه
أ.د وليد مصطفى شاويش
عَمَّان الرباط
12-ذي الحجة-1445
18-6-2024
