[printfriendly]
كيف نقف مع أنفسنا في زمن الاجتماع الوطني والعاطفي والتفرق السياسي والمعرفي
(الحرب على إيران)
1-الوطن خادم لقصد التعبُّد لا نقيض له:
إن مسألة حب الوطن باعتباره حاضنا للإنسان وعيشه في حظ العبد من هذه الدنيا هو قصد ثان وخادم للقصد الأول الذي هو التعبد لله تعالى وليسا نقيضين، وكررتُ دائما أن الفقه عموما وخصوصا السياسي في المستوى الثاني، يذهب مذهبا عميقا في رعاية المصالح ودرء المفاسد وفق قواعد الترجيح التي بينها الشاطبي في مقاصد المكلف من الموافقات، ولا يعطل مقاصد الشريعة بالرؤى الفكرية.
2-كيف نقف مع أنفسنا والأمة متفرقة:
نحن نقف مع جلب المصالح ودرء المفاسد لهذا البلد الذي كان على الدوام ملاذ الخائفين وكهف المضطرين، والسؤال الذي وُجِّه إلي كيف نراعي مصالح الأردن وننحاز إلى أنفسنا وأمتنا مشتتة سياسيا، والجواب: نتعامل مع كل بلد عربي على أن له مصلحة عامة في البلد ولكنها خاصة باعتبار الأمة، وأن اجتهاد كل بلد في تحقيق مصلحته الخاصة ودرء المفسدة عن نفسه، هو نجاح للبلد الآخر، لأن مجموع تحقيق المصالح الفردية الخاصة سيؤدي إلى تحقيق مصلحة عامة للأمة، لا أن نزيد البلاد فرقة بالانتماءات الضيقة للعرق والحزب في وقت نحن أحوج من نكون إلى وحدة الصف، وتَمتِين الجبهة الداخلية.
3-قواعد الترجيح في المستوى الثاني محدِّدات على طاولة القرار:
إن تقرير المصلحة الخاصة لأي دولة ودرء المفسدة عنها له إكراهاته السياسية والاقتصادية في ضوء منظومة دولية مهيمنة، وأن صاحب القرار أمامه الضروري والمكمل للضروري، والحاجي والتحسيني وكل واحد منها فيه حاجي أصلي وحاجي مكمِّل، وكذلك التحسيني، وهذه هي قواعد الترجيح الفقهي في المستوى الثاني، أما المستوى الثالث فهو خبرة نظرية وعملية يقوم بها الفاعل السياسي وفق المحدِّد الفقهي على طاولة القرار.
4-التمييز بين طاولة القرار ومديرية التوجيه المعنوي:
أما الأهازيج الوطنية والأناشيد الإسلامية فهذه محلها مديرية التوجيه المعنوي، وليس طاولة القرار، وإذا تأملنا ذلك فإن توزيع صكوك المغفرة الوطنية وصكوك الحرمان المدني من الجنسية، والكفر والبدعة لا محل لها في الفقه السياسي، بل هي إعلاميات تعبوية تنحاز للرؤية الفكرية للأب العظيم للجماعة الذي ظهر في الفراغ الكبيرـ وليس انحيازا إلى المصالح الشرعية العليا، وهذا خلط بين المستوى العقدي الأول والمستوى الفقهي الثاني والمستوى الثالث النظري السياسي، وهذا الخلط مَهلكة عامة في مركزية السلطة، يحترق فيها الجميع، والصواب اللجوء إلى مركزية الأمة على النحو الذي بينته بأن القصد الخادم لبلد عربي هو خادم للبلد الآخر، وأن رعاية كل بلد لمصلحته هو خادم للمجموع.
5- لا يجوز تعطيل المقاصد الممكنة باشتراط الوحدة العربية:
ولا يجوز لنا أن نؤخر تحصيل المصالح ودرء المفاسد عن الأمة وأفرادها، إلى تحقق الوحدة العربية أو اعتبار الوحدة العربية شرطا في تطبيق المستطاع الآن، لأنه لا يجوز تعطيل الشريعة المستطاعة في تحصيل المصالح ودرء المفاسد، بسبب اشتراط المعسور وهو الوحدة العربية، لأن تأجيل تكاليف الشريعة الممكنة يفسِد الدِّين والدنيا، وهو ترك التكليف بما يطاق، إلى اشتراط ما لا يطاق حيلة باطلة لتأجيل واجبات الشريعة العينية والكفائية الحالَّة، وإن أي دولة مهما كانت الإكراهات الدولية عليها لها ما تستطيع وعليها ما لا تستطيع، ويجب الحذر من الفكر الجبري الذي يتوهم الجبرية التامة السالبة للإرادة، كما أننا لسنا في سوق عكاظ ننشِد شِعر القدَرية وتحقيق الذات في نظام عالمي متداخل ومتوحش.
المحجة البيضاء
عبد ربه وأسير ذنبه
أ.د وليد مصطفى شاويش
عَمَّان المحروسة
6- شوال -1447
25-3-2026
