الترك النبوي بين المنهج الأصولي والفكر  الفلسفي (لماذا يصبح المولد النبوي معركة وجودية)

الترك النبوي بين المنهج الأصولي والفكر  الفلسفي

(لماذا يصبح المولد النبوي معركة وجودية)

#تمهيد: رد الفروع إلى الأصول:

أ-تسلسل بناء الفقه مع الأصلَين:

إن علم أصول الفقه مبني على ما تقرر في علم أصول الدين، وعلم الفقه مبني على ما تقرر في علم أصول الفقه، وبذلك سلمت الشريعة من التناقض والتهادم الداخلي، فلا يمكن قبول فرع ليس له مرجع في أصول الفقه، ولا في أصول التوحيد والبنوة، ومن هنا تبدأ رحلة طويلة وعميقة لاكتشاف سبب الصراع المحتدم داخل البيت السني في كثير من المسائل في الزمن المعاصر، الذي أدى إلى التفرق في الدين، والتفرق من علامات مشاقة السنة لقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ۚ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)، فالجماعة من علامات السنة، والفرقة من علامات  البدعة، والزيغ عن المحجة البيضاء.

ب- جوهر السؤال ليس في الاختلاف في المولد النبوي:

وتحاول هذه المقالة أن تجيب على سؤال:لماذا لم يحدث شقاق في الأمة مع وجود من قال ببدعة الاحتفال المولد في المذهب الفقهي، بينما تحول المولد النبوي إلى حرب وجودية في زمننا؟ فليس المقال في الاختلاف الفقهي في حكم المولد، بل لماذا تحول إلى حرب شعواء وجودي داخل البيت السني، وانتشار ظاهر تبديع أئمة الدين المجمع على إمامتهم وإلى تكفير بعضهم أحيانا.

1-دلالة الترك عند الأصوليين:

فصَّل الأصوليون في بيان معنى الترك، والفرق بينه وبين العلة العدمية المحضة، وأن دلالة الترك قد تكون التحريم أو الكراهة أو الإباحة ولا تختص بالتحريم، وبيَّن إمامنا مالك أن من مواضع الترك الكراهة، ككراهة سجدة الشكر  لأنها ليس عليها العمل، وفصَّل الأصوليون أن الترك صفة وجودية وليست عدمية محضة، وقال في المراقي: فكفنا بالنهي مطلوب النبيْ *** والترك فعل في أصول المذهبِ، كمن فرَّط في علف الدابة أو ذكاة الصيد حتى مات فإنه ضامن بذلك الترك الذي له صفة وجودية واعتبرها الشارع  الترك فعلا موجبا للضمان، ومثل ذلك أيضا ترك البسلمة في القراءة في الصلاة، وعدم زكاة الخضر والفواكه، فكل ذلك له صفة وجودية وليس عدما محضا.

2-قيام المقتضِي لله ورسوله خلط بين الفلسفة والاعتزال:

أما الترك في الرؤية الفلسفية فلا علاقة له بالفقه البتة ومخالفة لما عليه الأصوليون الذين هم محل اتهام حسب هذه الفلسفة، وفكرة الترك النبوي في الرؤية  الفلسفية تتلخص بالقول: إذا قام المقتضي لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يفعل مع إمكان الفعل، وليس ثم مانع فهو بدعة، فهذا منهج معرفي فلسفي، مفارق للمنهج الفقهي الأصولي ولا يقع فيه علماء الأصول المتصرفين في علوم المعقول والمنقول، ذلك لأن المقتضي لفعل النبي صلى الله عليه وسلم هو الوحي، وهو خطاب شرعي وجودي، ولا أحد يعين للنبي صلى الله عليه وسلم المقتِضي لأنْ يفعل، ولكن هذه الفلسفة تنطلق من مفهوم الحكمة والعدل الإلهي، لذلك لا يقتصر المقتضي على رسول الله بل  المقتضي قائم لله أيضا، بأن الحكمة الإلهية توجب على مشيئته تعالى العدل والصلاح، ولا يجوز  بزعمهم تنزيه المشيئة  عن  الأغراض، لأن ذلك عبث يخل بالحكمة الإلهية حسب هذه الفلسفة.

3-الحكمة الإلهية في وجوب مراعاة الأصلح تأتي موافقة للحسن والقبح:

 وهذا المقتضي الذي توجبه الحكمة الإلهية موافق للحُسن والقبح في ذوات الأشياء في الحس الخارجي، مما يعني أن إحداث الإيجاب على مشيئة الله تعالى وفق الحكمة تكون مشيئة الله تابعة للأغراض، وهو نقص المشيئة المطلقة والصمدية التامة والغنى المطلق لله تعالى، بسبب دعوى أن المشيئة المنزهة عن اتباع العلل والأغراض هي عبث وتنافي الحكمة الإلهية وفق أصول الاعتزال، والنهاية السعيدة  هي توافق الحكمة الإلهية الحسن والقبح الذاتي في الأشياء، وهو فكر باطل خليط من الفلسفة والاعتزال، مع اتفاق الاعتزال مع هذه الفلسفة على توافق الحكمة الإلهية مع الحسن والقبح في ذوات الأشياء، دون أن تكون ذوات الأشياء موجبة على الله حسب رأي بعض المعتزلة.

 مما يعني أن الحسن والقبح الذاتي وهو المقتضي  موافق للحكمة الإلهية،  فما تركَه الشرع قبيحٌ وهو بدعة، ولا يجوز دخول الأحكام الخمسة عليه، حسب فلسفة المقتضي، وهذا الفكر  مصادم للاجتهاد الفقهي الأصولي في تفسير الترك النبوي بدخول الأحكام الخمسة عليه، ورفض التمييز بين البدعة اللغوية والبدعة المذمومة، بمعنى أن هذه الانشقاقات على المنهج الفقهي الأصولي تبين الجذور الفلسفية في تفسير الترك النبوي أنه قبيح ولا يقبل تقسم البدعة إلى حسنة وسيئة، ولا يقبل الأحكام الخمسة على الترك، فالفروع محنة للأصول، وتشي بالأبواب الفكري التي جاءت منها، فلا داعي لسرد النصوص على تقسيمات الفقهاء والأصوليين مع الغفلة عن الأصل الذي تصدر عنه الفلسفة في النبوة والصفات الإلهية.

4-الصدام بين المنهج الأصولي مع نظام معرفي دخِيل:  

وهذا يعطيك تفسيرا للصدام العميق داخل الشريعة بين الترك النبوي عند الأصولين، وبين الترك حسب الأصول الفلسفية العدمية في اللملمات: لم يرد، لم يثبت، لم يفعل،  لا دليل عليه، وبهذه العدميات تُهدَم عمومات الشريعة ومطلقاتها ومصالحها ووسائلها وأحكامها العادية، كل هذا يُنبيك أن هناك أسْودَ سالخًا يقبع في الزاوية  المعتمة، تلمع عيناه الظلام وهو يجرش الشريعة بأنيابه وينفثُ فلسفةٌ ومناهج معرفية تشبه الأصول ولكن ليست منها، تشبه قول الإمام مالك ليس عليه العمل ولكنها ليست منه، فالتبسَت السنة بالفلسفة، فكان ما كان في هذا الزمان، من رؤية المعروف منكرا والمنكر معروفا، ثم الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف، ولذلك حصل الشقاق الواسع في البيت السني في النبوات والإلهيات بسبب الصدام بين المنهج الأصولي والمنهج المعرفي الفلسفي، لذلك أقول دائما: ضع أصولك على الطاولة أولا.

5-تناقضات الفلسفة دليلٌ على بطلانها:

أ-المقولة توجب السكوت كما سكت السلف في الأسماء والصفات:

كان بنبغي على مقلِّدة هذه المقولة : إذا قام المقتضي لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يفعل مع إمكان الفعل، وليس ثم مانع فهو بدعة، أن يطبقها في مسألة الأسماء والصفات، وأن لا  يخرج عن أصله هذا ويتجاوز  بتفسير ها لغة على مقتضى الحس في المذهب الطبيعي، بل كان عليه أن يقول ما قاله السلف إن صفات الله تعالى توقيفية ثابتة بالشرع، وسكت الشرع على عِلم وسكَتْنا، وقال مالك السؤال عنه بدعة، فلماذا نقَضت هذه الفلسفة أصلها الذي طبقته في البدعة، ولكنها خاضت في حقيقة الذات الإلهية والأسماء  والصفات، واخترعت القدر المشترك، وهو ما لم يقله الصحابة ولا التابعون لهم بإحسان.

ب-مقولة ما كتبها الله عليهم فما رعوها حق رعايتها:

 لماذا لم يُكتفَ  بقول السلف أمروها كيف جاءت، تفسيرها قراءتها، فإذا كان صاحب الفلسفة نقض هذه المقولة بنفسه في أصوله، وخاض في ماهية الذات والصفات الإلهية، فأَولى أن تكون باطلة عند الأصوليين إذا نقضها الذين وضعوها ثم لم يرعوها حق رعايتها، ومن ثَم فإن هذه المقولة دليل لا يلزم منه مدلوله، فمرة يكون لازما في تفسير البدعة، ثم يطرح مرة أخرى ولا يكون لازما كما هو الخوض في الصفات الخبرية، ويبدو أن السيادة العليا هي لما يقرره المذهب الطبيعي الذي يقرر المقتضي في البدعة ثم يهدمه في تفسير الأسماء والصفات، ويتحول إلى امتداد للكرامية وطَوْر ٍمتقدِّمٍ للمذهب الطبيعي في تفسير  النص الديني.

6-البحث سهل للوصول إلى الحقيقة:

أ-تدوين دلالة الترك عند الأصوليين يخالف هذه المقولة:

راجع الترك عند الأصوليين، ودلالة العام والمطلق والمصلحة وحكم العادة والوسيلة، ثم دوِّن كلامهم في العمود الأيمن، ثم انظر إن كانت هذه المقولة لها علاقة بالاجتهاد الفقهي عند الفقهاء والأصوليين، ثم دون في العمود الأيسر  فلسفة الحكمة والحسن والقبح الذاتي وطرق المعتزلة فيه وخصوصا معتزلة بغداد  وبيان أصل العدل والحكمة عندهم.

ب-عودة متحور الحسن والقبح الاعتزالي من الشباك الخلفي:

 ثم انظر  في مذهب أهل السنة أنه لا حكم إلا بالشرع، خلافا للحسن والقبح الذاتي ومقتضَى المصلحة أو العبادة للشارع سواء لله تعالى أو للنبي صلى الله عليه وسلم، عندئذ ستكتشف حقيقة مُرَّة ومؤلمة، أن الهجمة على علم أصول الفقه الإسلامي والطعن فيه كان من أجل  إقحام الفلسفة والاعتزال من الباب الخلفي لا من أجل السُّنة والأثر، ولكن المشكلة دائما هي في جمهور الحلقة الأخيرة.

7-خطورة اللعبة اللغوية في حسن اللفظ وفساد المعنى:

عندما يقرر أهل السنة أن مشيئة الله تعالى تامة لا تتبع الأغراض، والمشيئة على طِبْق العلم الإلهي وأن صفة العلم لله تعالى ليست من صفات التأثير والتأثير هو للقدرة والإرادة،  ويفسرون المشيئة بأنها لا تتبع الأغراض، أي لا مصلحة تعود على الله تعالى من حُكمه، أو مفسدة يدرؤها عن نفسه، ويؤكدون أن ذلك على طِبق العلم الإلهي ولا يخل بكمال الحكمة، وأن الله تعالى تفضَّل على عباده من غير إيجاب عليه بالأمر بالمصلحة والنهي عن المفسدة، وأن صفات الله تعالى واجبة بذاتها لنفسه سبحانه، وأنه كتب على نفسه الرحمة، وهذه مشيئته التامة سبحانه، التي لا تتبع الأغراض، لأن اتباع الأغراض نقص للصمدية، بل يفعل ما يشاء مشيئة تامة مطلقة، وعندها تبطل فكرة المقتضي لله ورسوله على أصول أهل السنة.

8-شبهة داحضة:

أ-المشيئة تامة لفظا ومعنى منزهة عن الأغراض:

 ثم يشاع  أن أهل السنة لا ينزهون مشيئة الله عن العبث، وأنهم لا يثبتون الحكمة، وهي حيلة لغوية من أجل اختراع طريق التفافي لتمرير  تشوه اعتزالي فلسفي في نقص المشيئة ثم تشغيل إدارة لغوية ودعاية إعلامية بتمام المشيئة في اللفظ ونقصه في المعنى،  وأدى ذلك إلى هدم عمومات الشريعة وأقيستها باللملمات إياها، ثم صناعة صدام واسع داخل الدين.

ب-جسم الشريعة يقاوم المتحورات الفلسفية:

 وما زال الإسلام يتمتع بالمناعة والمقاومة للفلسلفة المستترة التي طعنت في علم أصول الفقه، وهدمت مدلولاته في أقوال الأئمة، ثم تبديع أئمة الإسلام بالجملة، وقد آن الأوان الكشف عن الأسود السالخ المستتر في الظلام ويجرش في عظام الإسلام، وأن يجاب على السؤال لماذا استعملت السنة والسلف والأثر  شعارات للطعن في دين أئمة الدين المجمع على إمامتهم في هذا الزمان، والابتزاز العاطفي للعوام بهذه الشعارات في الحلقة الأخيرة مع تجاهل الحلقة الأولى في الفلسفة.

9-لماذا يتحول المولد النبوي إلى معركة وجودية:

ليس الكلام خاصا بالمولد، وإن كان مثالا واضحا، نعم لقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن المولد بدعة، وذهب بعضهم أنه من العادات، ولكن ذلك الخلاف بقي في نطاق التداول داخل المذهب الواحد دون ولاء وبراء وشقاق وشرك، ولم يتحول إلى حرب وجودية تهدم المذاهب المتبوعة، ولكن لماذا يتحول المولد إلى معركة وجودية نكون أو لا نكون وهداية وضلالة وفرقة ناجية، السبب أن أقوال الفقهاء في مرحلة التداول والبحث نقلت إلى نظام فلسفي خارج نطاق الاجتهاد الفقهي، فصارت جنديا يقاتل في جيش أجنبي، في حرب  بين نموذجين معرفيين لن يلتقيا، والفرق بينهما هو الفرق بين الشريعة والفلسفة.

##الخلاصة:

  1. بطلان فكرة المقتضي لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، من أصلها بناء على أصول أهل السنة، وهي مذهب طبيعي مفرَّع على أصول الاعتزال، وفكرة المصلحة العادية الموافقة لطبيعة الأشياء مع الحكمة الإلهية.
  2. فكرة المقتضي ليست خاصة بالنبوة بل تعم الألوهية أيضا في أن الحكمة الإلهية توجب على المشيئة مراعاة المصالح للعباد، وهي حالة مستمرة في الفكر الاعتزالي وإن لم تكن مطابقة، بل متحور مبني على أصول الاعتزال.
  3. المذهب الطبيعي يتغلغل في الوسط السني ويُقصي النظر الشرعي الأصولي، في الإلهيات والنبوات.
  4. صراع البدعة الوجودي أو التكفير ليس من الخلاف الفرعي داخل الاجتهاد الفقهي السُني، بل بسبب نقل الفروع الفقهية إلى نموذج مخالف للشريعة، ويخترع تناقضات الفلسفة مع الشريعة، أما كلام الفقهاء في البدعة وخلافهم فيها كان من باب التداول وليس الهداية والضلالة، وهذا بحث خلاف لا مانع منه شرعا.
  5. الله سبحانه مشيئته تامة ولا يفتقر إلى ما يتكمل به من الأغراض، بل مشيئته تامة خلافا للمعتزلة، ولا يصح ما بُني على مذهبهم من فلسفة الحكمة التي تُنقِص المشيئة الإلهية بأنها تابعةٌ للأغراض وموافِقةٌ للمذهب الطبيعي في الحسن والقبح الذاتي، ولا داعي للإدارةاللغوية والكلمات الإنشائية للتغطية على نقص الإرادة والصمدية الإلهية فالعبرة بالمعاني لا بالمباني.
  6. المذهب الطبيعي في القدر المشترك وأسماء الله تعالى وصفاته، استمرار في فرض الطبيعة على تفسير النص الديني وإلغاء الشرعيات، بزعم المقتضي وفق الحكمة الموافق للحسن والقبح الذاتي في الأشياء، وهو عينه الذي يفسر النبوة بالمذهب الطبيعي في مقولة المقتضي السابقة.
  7. طعن المذهب الطبيعي في علم أصول الفقه واتهامه بأنه يوناني فلسفي هو حيلة إعلامية لإقصاء الاجتهاد الفقهي الأصولي للمذاهب المتبوعة، وإحلال الرؤية الحسية في تفسير النص الديني في الإلهيات والنبوات، وإحلال تناقضات الشريعة والطبيعة داخل البيت السُّني.
  8. يجب الحذر من تسلل الفلسفات وأفكار الطوائف خصوصا الاعتزال تحت أسماء عظيمة مقدَّرة عند أهل السنة، مثل السلف، أهل الحديث، أهل الأثر، ولو كان خيرا لسبقونا إليه وتُهدم بذلك عمومات النصوص ومطلقاتها وتعطَّل المصالح والعاديات والوسائل المأذون بها شرعا، وتحويلها إلى بدع مذمومة وهذ الغلو في الهدم يؤدي إلى الانحلال من الشريعة.
  9. يجب سبر المعاني على مستوى الأصلَين: أصول الدين وأصول الفقه، قبل الدخول إلى البحث الفرعي.
  10. الكتاب والسنة تظهر معانيهما المحكمة بأصول أهل السنة المدونة والموثوقة في المذاهب المتبوعة، وليس بالقراءة الذاتية الشخصية في تتبع المتشابهات والزيغ عن المحكمات الأصولية، تحت ضغط إعلامي وابتزاز عاطفي بشعارات الاتباع، والسنة، والصحابة، ثم الطعن في أئمة الدين المجمع على إمامتهم بالبدعة وأحيانا بالكفر.
  11. استطاع الإمام الشاطبي من خلال عقائد أهل السنة في تمام المشيئة الإلهية المنزهة عن اتباع الأغراض أن يقيم صرح مقاصد الشريعة، ويظهر ذلك في الصفحة الأولى من كتاب المقاصد في كتابه الموافقات، وهو يبطل شائعة أن تمام المشيئة المنزهة عن الأغراض عبث وينكر الحكمة الإلهية.
  12. أجمع أهل السنة أن الكفر هو جحود معلوم من الدين بالضرورة، وعليه، تجب مراجعة الفروع التي كُفِّر بها المسلمون خارج إجماع أهل السنة مثل الحاكمية والولاء والبراء وعبادة القبور وردها إلى أصولها في المذهب الطبيعي في التوحيد والقدرة والعبادة، ويجب إحياء الحقائق الشرعية في معنى التوحيد والعبادة والكفر والإيمان، حماية للشهادتين والمجتمع الإسلامي من التفكك.
  13. إن حقيقة العدل الإلهي له علاقة وثيقة بهذا البحث، وقد عرفها أهل السنة، بأنها تصرف الله تعالى في ملكه على مقتضى مشيئته، ومشيئته طبق علمه وحكمتة، أما تفسير العدالة الإلهية بأنها ما تقتضيه الحكمة الإلهية وتوجبه على المشيئة ويكون موافقا للحسن والقبح الذاتي في الأشياء فهو طريق التفافي لمطابقة الشريعة مع الطبيعة، والميل للطبع هو عين الهوى، فيصبح الهوى هو عين الشريعة، وهو انقلاب في الدين حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم في زمان يرى الناس المعروف منكرا والمنكر معروفا.
  14. إن تزيين اتباع الهوى وهو الميل نحو الطبع وتفسيره بالفطرة هو الذي سيحول الشريعة إلى مذهب طبيعي ويهدم الحقائق الشرعية على مستوى الكليات، ثم ينشأ بعد ذلك صراع الجزئيات بين نظامين المذاهب المتبوعة التي تمثل الشرعي، والنظام المعرفي الطبيعي، وهو الذي فرق المسلمين.
  15. إذا كان المقتضي هو الحكمة الإلهية التامة الموافقة للحسن والقبح في الأشياء، فيصح عندئذ أن تكون المنفعة العادية والقبح العادي دليلا لازما للحكمة الإلهية، وهو عين المذهب الطبيعي المعاصر على نطاق الأصول، وويؤدي فساد هذا الأصل مع الشرعيات.
  16. خطورة الجرعة العاطفية الزائدة من الشعارات الدينية على الحقائق الشرعية، حيث يعظم الشعار في السنة والاتباع والسلف والأثر أما الحقائق فهي متحورات فلسفية اعتزالية، والعبرة بالمعاني لا بالألفاظ المباني.
  17. إذا اتضحت حقيقة العدل اتضح معنى الشر لأنه هو المقابل، وهذا سأفرد له مقالا مستقلا، ولكن إن أردت البيان الشافي فانظر كتاب المقاصد للشاطبي في التمييز المهم بين المصلحة الشرعية والعادية تتضح لك أقوال الفرق والفلاسفة وتتميز المصلحة الشرعية عن العادية، بينما نجدها في فلسفة الدين المعاصرة أن العادية هي عين الشرعية باعتبار أن الحكمة الإلهية موافقة للطبيعي في ذوات الأشياء حسنا وقبحا.
  18. إن المحجة البيضاء تظهر في الأصول التي تفسر النص على أصول أهل السنة، ويظهر الزيغ عنها وتنكبها في أصول الطوائف في إعادة تفسير النص الديني، وتتبع المتشابهات، في إعادة فروع الطوائف داخل البيت السني مما يؤدي إلى الفُرقة.
  19. عندما ترى انشطار الأمة صراع بين الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، والجماعات في الفرقة الناجية تحارب بعضها حرب ردة، هذا يعني أن الأسود السالخ ما زال يدير المشهد الديني من المقعد الخلفي، وأقصد بها النظام الفلسفي المتستر  بشعارات الإسلام ويخترع لنفسه سلفا متخيلا يضع عليه كل هذه الفلسفة،  ويحشد المتشابهات ويغبر بها وجوه العامة.

المحجة البيضاء

عبد ربه وأسير ذنبه

وليد مصطفى شاويش

12-ربيع الأنوار-1448

25-8-2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to top