[printfriendly]
لَطْميات أهل السنة الإمامية
1-الجويني يشغل نظام الطوارئ:
أ-الحكم الاضطرار لا يبطل الفقه الاختياري:
عندما رأى الإمام الجويني الانزياحات الكبرى عن الفقه في واقع الدولة والإمامة، وأصبح الخليفة المستبد حالة رمزية، وظهر السلاطين المستقلون في أطراف دولة الخلافة، أدرك أن الواقع الاضطراري لا يعمل فيه الفقه الاختياري، فلا بد له من جهاز إنذار فقهي اضطراري، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وفي الوقت نفسه يحافظ على فقه الاختيار كأكل الميتة للمضطر لا يقلب الحلال حراما.
ب-الإمام الجويني يقرع جرس الإنذار:
فصاغ الإمام الجويني كتابه: غياث الأمم في التياث الظلم، للوزير نظام الـمُلْك السلجوقي في جوهر الدولة وحقيقتها، وترجيح الضروري في الدولة على التكميلي في بعض الشروط مثل القرشية والبيعة والاجتهاد، وأن ضروري الدولة هو الغوث والنجدة، أما القرشية والبيعة والاجتهاد فهي شروط تكميلية، ولا يجوز هدم الضروري من أجل المحافظة على التكميلي، لأن التكميلي لا يبقى إذا هُدم الضروري، أما الضروري فيبقى ولكن يدخل عليه شيء من الخلل بفوات التكميلي.
2-نظام الطوارئ توحيد لصفوف المسلمين في وجه الغزو الخارجي والكيد الباطني الداخلي:
هذا التنظير الفقهي نزع فتيل الصدام بين الخلافة والسلطان المستقل بالقرار، بل جعل السلطان المستقل حاميا للخلافة، وجزءا منها، هنا ظهرت شرعية السلطان صلاح الدين الأيوبي، فاتح القدس، وظهرت شرعية المماليك أبطال عين جالوت الذين ردوا الغزو المغولي، وقد كان الإمام العز بن عبد السلام ممثلا لهذه السياسة الشرعية الاضطراية الجوينية، حيث أهمل شرط القرشية في المماليك، مع اعتبار شرط الحرية الممكن لقيادة الدولة، لأن شرط القرشية غير مقدور عليه، لأنه مرجوح نسبة إلى المحافظة على السلطان المستقل الذي يحقن الدماء ويسكِّن الدهماء.
3- غياب نظام الطوارئ يؤدي إلى هدم الخلافة ثم اللطم على استعادتها:
ثم خلفت من بعدهم خلوف خفيت عليهم قواعد الترجيح بين الضروري والتكميلي عند الجويني والشاطبي ، واخترقهم الشيعي الباطني جمال الدين الإيراني، ونزعوا الشرعية عن الخلافة السنية العثمانية لأنها مستبدة، ولم يُشغِّلوا نظام الإنذار الجويني، والإصلاح الغزالي، وتطبيق العز بن عبد السلام، فانهارت الخلافة، وتشظى المسلمون كل التشظي، ثم بدأت مرحلة اللطم على الخلافة، من الذين قتلوها، وكأننا في حسينية جديدة، تسلم الحسين للقتل، ثم تلطم على قتله، وتطلب دمه من أولياء الدم، وتهدم الفقه الاختياري من أجل التجديد الديني بلا جديد.
4-لطميات أهل السنة الإمامية مرة أخرى:
ثم ظهرت أهل السنة الإمامية مرة أخرى، في دعوى هدم الدولة القطرية من أجل استرداد الخلافة، وبعد إسقاط الدولة القطرية، يقيمون مأتما للدولة يلطمون فيه على الدولة، كما لطموا على الخلافة من قبل، ولكن بعد أن تحولت الشعوب إلى جماعات بشرية من اللاجئين، هل جرب أهل السنة الإمامية باطنية الإيراني التي هدمت الخلافة، أم سيرجعون نظام الطوارئ الجويني الذي أصَّل فقهيا، لفتح القدس في حطين ورد المغول في عين جالوت، ما أشبه الليلة بالبارحة، وحقا إن العصا من العُصَية، ولا تلد الحية إلا حية.
5-مركزية السلطة في متحوِّر أهل السنة الإمامية وغياب مركزية الأمة:
لم يكن الجويني نصيرا للاستبداد، بل كان يعيش في مركزية الأمة والشريعة، بناء على أن العصمة للأمة لا للأئمة، وأن الخلافة والدولة واجبة وجوب الفروع مع القدرة والاستطاعة، على هذا الأصل بنى تأصيله لنظام الطوارئ، خلافا للشيعة الذين يرون مركزية الإمامة كالنبوة وأنها من أصول الدين، بينما عند المعتزلة الإمام فرع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو من من أصول الدين عندهم، والإمام إذا سقطت عدالته سقطت طاعته، وجاز الخروج عليه بالسلاح، وعليه فإن أهل السنة الإمامية في مركزية السلطة هي استمرار مركزية السلطة في الفكر الديني الشيعي والاعتزالي، وهو الذي هدم الخلافة والدولة، بينما مركزية الأمة كانت سببا في نصر حطين وعين جالوت والزلاقة، وغيرها من المعارك الفاصلة في تاريخ أهل السنة والجماعة خلافا لمتحور أهل السنة الإمامية.
6- المرجئة السياسية والجهمية الدستورية:
لا تظن أن مركزية السلطة وأهل السنة الإمامية قاصرة على جماعة دينية بعينها، فهي فكرة سارية في جماعات الفكر الديني المتجاوز ، في هدم مركزية الأمة بسبب الصراع في مركزية السلطة، لا تقتصر على جماعة دون أخرى، ونقيض أهل السنة الإمامية فكرة أخرى في مركزية السلطة أيضا، وهم المرجئة السياسية والجهمية الدستورية، الذين يهدمون أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أجل المحافظة على شرعية الدولة، وهم جماعة وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، في توظيف السنة توظيفا ظالما مجحفا بمركزية الأمة، فكيف بهذه الأمة بين أهل السنة الإمامية من جهة ونقيضها من المرجئة السياسية والجهمية الدستورية، وكلهم يحتج بالكتاب والسنة الصحيحة، ويدخل التناقض على الأمة ودينها.
الكسر في الأصول لا ينجبر
عبد ربه وأسير ذنبه
وليد مصطفى شاويش
23-محرم-1448ه
9-7-2026
