منهج التفقه في باب الإعارة (البطاقة المصرفية)

منهج التفقه في دراسة المذهب

باب الإعارة (1)

تمهيد:

يدرس الباحث في الدراسات العليا، أبوابا مختلفة من الفقه، وعندما يسأل المستفتي يأتي بممارسات بسيطة مجملة، مما يوجب على المفتي أن يبين الحقيقة الشرعية للمعاملة بناء على أن المفتي والقاضي والمحامي يدرك تماما هذه الحقائق الشرعية الذهنية ويطابق بينها وبين الواقعة المنظورة، وينزل الحكم المناسب على الواقعة، فيما يعرف بتحقيق المناط أو التكييف الفقهي للواقعة، وهو أيضا جزء من عمل القاضي والمحامي في القانون.

أولا: التفقه أولا قبل الفقه:

الفقه هو تعيين الحكم المفتى به، أما التفقه فهو مرحلة التداول، في قياس المسائل على المسائل، وتخريج الفروع على الأصول، وإعمال الأقيسة، دون تعيين أن هذا القول هو فقه يفتى به، ومرحلة التفقه ضرورية لتأسيس فقه نوازل مستمر على العمل بالمذاهب المتبوعة، لحماية الأمة من الفكر الديني المتجاوز  الذي يعيد النظر في النص، ويتجاوز المذاهب المتبوعة، لذلك من المهم التأسيس لفقه النوازل بالتفقه، على النحو الذي نهجه الإمام ابن عرفة الورغمي في مختصره الفقهي، ثم تلاه تلامذته في التوسع في فقه النوازل، وفاء بواجب الشريعة المستمرة إلى يوم الدين، وبحق الأمة أن تجد أجوبة لأسئلتها في معادها ومعاشها، على نحو علمي مستمر على مذاهبهم بعيدا عن الفكر الدعوي المتجاوز.

ثانيا: السؤال الرئيس: ما وجوه الضمان وعدمه في استعمال البطاقة المصرفية:

هذا هو السؤال الرئيس، والمطلوب من الباحثين في المذهب المالكي دراسة الوقائع، ومقايستها بالحقائق الشرعية في المذهب، والمهم ليس الإجابة النهائية، بل إحياء مرحلة التفريع والتداول، وتثوير البحوث للمناقشة ثم تعقبها مرحلة تعيين الحكم الأصوب في النازلة، ولكن تبقى مرحلة التفقه على شكل حاشية تفقه توضح مسالك الترجيح والاعتماد للقول الفقهي المفتى به، وفيما يأتي تداول التفقه من أجل الوصول إلى الفقه:

السؤال: أعطى صديقه بطاقة الصراف ليأخذ الصديق نقودا للآخذ من حساب المعطِي، أجب عما يأتي مبينا قياس المسائل على المسائل وتطبيق الحقائق الشرعية وتخريج الفروع على الأصول:

1-ضاعت البطاقة من الآخذ وكلفة إصدارها 25 دينارا، وطلب المعطي للبطاقة من الآخِذ كلفة الإصدار.

أ-بما أن البطاقة عين تستوفى المنفعة من ذاتها مع بقاء العين، وترد لصاحبها بعينها دون أجرة، فإنها تكون عارية، والمعطي معير والصديق مستعير، واستعمالها لسحب النقود هو المنفعة المقدرة بالعمل بالسحب مرة واحدة والمستوفاة من العين المعارة، وقد تؤقت الإعارة بعمل كإعارة الأرض لزراعتها في موسم زراعي، أو السيارة مسافة معينة، أو بزمن كإعارة الدار شهرا.

ب- وبما أن الإعارة في المستهلكات قرض كإعارة الجيران الخبز لبعضهم فالخبز مستهلك لا ترد عينه بل يرد مثله، فكذلك النقود المسحوبة من حساب المعطي فهي قرض، والمعطي مقرض والآخذ مقترض ضامن للمبلغ مسحوب.

ج- وبما أن البطاقة معارة وهي مما يغاب عليه، أي يمكن إخفاؤه، فإن ضمانه على المستعير  إلا لبينة بعدم التفريط، وبناء عليه إن لم يأت المستعير بالبينة فعليه كلفة إصدار البطاقة، ومثال على البينة تعرض الصديق المستعير لعملية سطو من قبل عصابة عليها بينة معتبرة شرعا، أما نسيانها مع محفظتها في السوق عند بعض المحلات فيُعد تفريطا،  كما لا يفيد تقرير الشرطة بالسرقة، لأنه يشهد لنفسه،  بل لا بد من بينة بالشهود أو بإقرار من الجناة أو غير ذلك من وجوه البينة المعتبرة، ومن من التفريط ترك البطاقة في الشمس بما يضر الشريحة الإلكترونية، أو نسيها في الجهاز، ثم لفظها  الجهاز وضاعت.

2-كتب الآخذ الرقم السري على مغلف البطاقة ثم أضاعها، ووجدها أحد المارة فسحب مبلغ 2000 دينار من البطاقة وطلب المعطي من الآخذ أن يضمن 2000 دنيار بالإضافة لكلفة الإصدار ، واعترض الآخذ بأنه ليس عليه ضمان.

إن الصديق مستعير وضامن للبطاقة لأنها مما يغاب عليه، ومجرد كتابته الرقم السري على البطاقة يعد تعديا من حيث العرف المصرفي الذي يمنع ذلك، وبناء عليه فإن سحب واجد البطاقة المبلغ النقدي كان تعديا من المستعير وعليه الضمان مع واجد البطاقة، وللمعير أن يرجع على أي منهما لأن كليهما متعد.

وبالنسبة لواجدها فهي لُقَطة، واللقطة: مال معصوم عَرَض له الضياع، ويعتبر التقاطها بقصد الاستعمال الممنوع حرام، لأنه تعدٍّ من اللاقط على اللقطة، والتقاطها بنية استعمالها حرام، ولا يجوز إلا إذا كان بنية حفظها ردها إلى صاحبها، أو الجهة المختصة.

3-على فرض أن المعطي هو الذي كتب الرقم السري على البطاقة، وادعى تضمين الآخِذ المبلغَ المسحوب مع كلفة الإصدار.

لا بد من التفريق بين ضمان المبلغ المسحوب بسبب معرفة اللاقط للرقم المكتوب على البطاقة، وبين ضمان العين المعارة وهي البطاقة:

أ-في سحب النقود المعطي هو المتعدي وليس الآخِذ،  لأن المعطي هو الذي كتب الرقم عليها، وحكم الآخر أنه  مستعير، فيضمن  رسوم الإصدار للبطاقة لأنها مما يغاب عليه، ولا يضمن المبلغ المسحوب، وعلى المعير أن يرجع على اللاقط المتعدي في ضمان المبلغ المسحول

ب-ولكن التفقه يتساءل: هل يمكن اعتبار اللاقط إذا سحب النقود مختلسا أم سارقا، فعلى دعوى السرقة على اللاقط يمكن أن يدافع اللاقط عن نفسه بالقول إن البطاقة كالإذن، لأن المصارف تعتبر كل من يسحب بها مأذون له، ولا تتحمل المسؤولية تجاه من يستخدم البطاقة، لأن كل من يحمل البطاقة له حق السحب، بالإضافة إلى أن السرقة تكون خفية والسحب من الجهاز كان من غير تخف، وليس للمصرف الحق في منعه، بالإضافة إلى أن البطاقة ليست مالا متمولا في عينها ولا تبلغ من حيث عينها ربع دينار الذي هو نصاب القطع في السرقة، وبصرف النظر عن رسوم الإصدار فالمعتبر قيمة المادة فيالبطاقة في عينها وليس رسوم الإصدار، والصواب درء الحدود بالشبهات

ج-وللمدعي بالحق الشرعي أن يقول إن الصراف هو حرز والأخذ منه سرقة، ويدرأ الحد بوصفها سرقة لا بوصفها اختلاسا لأن الاختلاس لا حد فيه أصلا.

4-على فرض أن البطاقة يمكن الحسم منها دون معرفة الرقم السري بواسطة المسح على الجهاز، واشترى واجدها ملابس بمائتي دينار.

بما أن السرقة تكون خفية ومن حرز فلا تتصور السرقة في هذه الحالة، سواء في الالتقاط أم في الشراء، ولكن يتصور في هذه الواقعة تعدي الملتقط  على اللقطة ومال الغير، ويضمن المستعير الرسوم لإعادة إصدار البطاقة، وأما ثمن الملابس فيضمنه اللاقط المتعدي، وللمعير الرجوع على كل من المستعير والملتقط في المبلغ المشترَى به.

5-بين حكم ضمان واجدها الثاني على فرض أن الواجد الأول ألقاها في الطريق بعد الشراء بها بمبلغ 1000 دينار،ثم استعملها  الواجد الثاني   واشترى بها بمبلغ 2000 دينار.

نقول من باب التفقه، لا الفقه والفتوى والقضاء: إن اللاقط الأول والثاني كلاهما متعدٍّ بالشراء وبالالتقاط وبإلقاء البطاقة، ويكون التعدي من الكل فلصاحب البطاقة الرجوع على الجميع بجميع المبالغ المسحوبة بتضامنهم جميعا، وعليه يحق لصاحب البطاقة الرجوع على الثلاثة المستعير واللاقط الأول والثاني بمبلغ ثلاثة آلاف دينار يضمنها الكل لتعديهم، وقد يقال إن كل واحد يضمن ما أخذه فقط، بحسب تعديه هو، باعتبار أنه مدين بما أخذ فقط وتعديه المباشر فقط، دون غيره.

6-على فرض أن واجد البطاقة سلمها للبنك أو المركز الأمني وطلب من صاحبها أجرة التوصيل.

يحق للملتقِط  أن يطلب الأجرة، ولصاحب البطاقة، أن يحلِّف الملتقِط أنه لم يرجعها حِسبة لله تعالى، فإن أرجعها اللاقط حسبة لله تعالى، فلا يحق له أن يأخذ أجرة، فإن حلف على أنه قصد طلب الأجرة فإنه يستحقها، فإن نكل عن اليمين فلا شيء له.

7-على فرض أن آخذ البطاقة أبلغ صاحبها بفقدها، قبل أن يسحب واجد البطاقة المبلغ.

إن إبلاغ الصديق  صاحب البطاقة بوقت كاف لحجبها عن الاستعمال بإعلام الجهة المختصة، يرفع ضمان المبلغ المسحوب عن المستعير الذي أضاع البطاقة، ويبقى الضمان على اللاقط، ولكن على الصديق ضمان رسوم إصدار البطاقة، فإن قصر صاحب البطاقة في تعطيلها وسحب منها فالصديق لا يضمن، وإنما يضمن اللاقط المتعدي على اللقطة باستعمالها.

8-إذا ثبت أن أحد المارة رأى البطاقة ولم يلتقطها ولم يسلمها للجهة المختصة، فهل يضمن بعدم الالتقاط مع علمه بأنها عرضة ليد غير أمينة.

 يضمن اللاقط الذي وجب عليه الالتقاط كأن يكون أمينا وخشي أن تقع في يد غير أمين، على فرض إقراره في دعوى صاحبها تضمينه هو أو المستعير رسوم البطاقة، أما إذا ادعى غير الملتقط أنه خشي نفسه أن يتهم،  أو أن يهدده اللصوص الذين رأوها، أو أنها يعتقد أنها بطاقة تالفة فلا شيء عليه.

9-استغفل أحد اللصوص آخِذَ البطاقة الذي وضعها على الجهاز قبل السحب، وشاغل اللصُّ الآخذَ (الصديق) عن البطاقة، وأخذها لص آخر متواطيء مع اللص الأول، وقاما بشراء ملابس بقيمة 1000 دينار بالبطاقة التي تعمل بالمسح دون الحاجة إلى رقم سري.

أ-يتردد وصف اللصوص بالسرقة أو الاختلاس، بناء على تردد  كون آخذ البطاقة حِرزًا  لها بالحافظ إذا صُرف عنها بالخديعة وأصبحت من غير حافظ ولا حِرْز، لأن الاختلاس فيه الخديعة والاستغفال وبلا قهر ، فإن أخذ أحدهما الحافظ إلى مكان بعيد لم يعد فيه الحافظ حرزا للمال المعار وهذا يشكل أكثر في موضوع التردد بين الاختلاس والسرقة

ب- أو هي سرقة لأن الحافظ ما زال قريبا منها وإن كانت ليست في مدى بصره، كأن يضعها أمامه على المكتب أو الطاولة أو الصراف الآلي، ولأنه لم يسملها لأحد اللصوص ، بعد أن صار  الآخذ بعيدا عنها.

10-استعان الصديق آخذ البطاقة برجل عند الصراف ليساعده في سحب النقود، فاستعملها ذلك الرجل وسحب 2000 دينار وهرب، وهل يختلف الحكم لو عرض الرجل الخدمة على آخذ البطاقة وقبل الآخذ  بتلك الخدمة وأعطى البطاقة للرجل وسحب 2000 دينار ثم هرب.

هذا من الاختلاس الواضح بلا تردد للخديعة وعدم الحرز وبلا قهر ومغالبة، ويضمن المستعير والمختلس معا، وأما الرسوم فعلى المستعير فقط، ولا فرق بين أن يطلب الآخذ الخدمة من الرجل، أو يعرض الرجل الخدمة على الآخذ.

المحجة البيضاء

عبد ربه وأسير ذنبه

أ.د وليد مصطفى شاويش

عَمَّان المحروسة

5- رجب -1447

25-12-2025

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to top