[printfriendly]
من الإمام الجويني إلى السلطان عبد الحميد الثاني
(فقهاء عابرون للتاريخ)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين
من عبد الملك بن عبد الله الجويني، إلى الخليفة عبد الحميد الثاني، كهف المؤمنين، وحارس بيضة المسلمين، وأهل الغوث والنجدة للمكروبين، وفَّقه الله لما فيه عِزُّ الإسلام وصلاح الأنام.
أما بعد، فإنه لا يخفى على فقهاء الملة ورجال الدولة أن الله تعالى جعل للإمامة مقصدا ومصدرا وموردا، وهو توحيد الكلمة وكلمة التوحيد، وحراسة الدين بكتاب يَهدي وسيف يَنصُر، بالقلَم والقدَم، والخطوة والخطبة، صيانةً الدماء، وتسكينا للدهماء، ودفعا لغائلة العدو.
وليس المقصود منها استعراضَ الصورة وأُبَّهة السلطة، التي إذا تنافس النا س في طلبها أدى بهم إلى ضياع أصل الاجتماع على ملة التوحيد، وقد بينتُ ذلك في زمني حين اضطربَتْ فيه أحوال الخلافة، وضعفت شوكتها، واستقل السلاطين بأقطارها، وأوشكَت الأمة على فتنة الحرب و الصدام بين شرعية الخلافة بلا قوة، وقوة السلطان المستقل بلا شرعية، وهو عين الفناء واستيلاء الأعداء.
فرأيتُ أن أحسم أسباب الشقاق من مباديها، والحرب من تماديها، فرأيت أن الفقه لا يقف عند ما يجب أن يكون، إذا عجزت الأمة عنه، فإنَّ شرط التكليف العلمُ والاستطاعة، و بينتُ أن الضرورات لها أحكامها والتكميليات لها مقامها، وأن الشرع أجاز أكل الميتة للمضطر ، ورفع عنه الإثم، ولكن لم يرفع حكم الاختيار في تحريم الميتة، بل بقي على أصل الحرام مع رفع الآثام، وإن الرخصة لا تنسخ العزيمة، بل تبيح الأخف بجواز الإقدام مع قيام دليل الإحجام.
فقررتُ أن المحافظة على أصل السلطان، الذي يحمي الأمة، أولى من التعلق بالمصالح التكميلية، لأن ذلك الانشغال بالتكميلي مع فوات الضروري يُفضي إلى هدم ضروري الدولة، وإذا هُدِم الضروري فات التكميلي، لأن التكميلي مع الضروري كالصفة مع الموصوف، فإذا زال الموصوف لزم زوال الصفة، ولم يبق شيء من الشريعة لا تكميلي ولا ضروري.
وانا إذْ أرسل رسالتي هذه إلى جنابكم العالي لا يُنقص ذلك فضل السادة من فقهاء الحنفية حولك، فمَن ذا الذي ينكر فضل أشقائنا من أئمة الحنفية الذين الذين حاولوا تدارك الأمر في شأن تقنين المذهب الأغر ، مذهب الإمام الأعظم، فألَّفوا مرشد الحيران، ومجلةالأحكام، تفويتا على من يرد الشريعة بالقانون، فصاغوا الشريعة بما يصلح للزمان، فهذا ديدن السنة في الاستمرار والدوام.
وأدام الله عز الخليفة، فإنه قد بلغني أيها السلطان الغالب المهاب الجانب، أن في عصرك رجالا يعرفون بما يسمى فكر النهضة والإصلاح ، ويجعلون أول الإصلاح إسقاط السلطان المستبد، على طريقة ثورية الشيعة، وأصل المعتزلة في أن السلطان إذا سقطت عدالته سقطت طاعته، ويعيدون تفسير نصوص الشرع على أصول المعتزلة في الدولة، ولو كان هؤلاء الشرذمة فينا لأسقطوا الخلافة بالسلطان، والسلطان بالخلافة، ولم تسمع بحطين ولا عين جالوت، ولا صلاح الدين وسيف الدين قطز، فالحمد لله على انقطاعهم في زماننا، ولو عرَضُوا لنا لوقفنا لهم بالمرصاد، كما وقفنا للطوائف التي تنكبت المحجة البيضاء، ولَنهضْنا بالحق الذي أوجبته السنة علينا، فانتصرنا والحمد لله بنصر الله، لأننا نصرنا شرع الله، على تلك الطوائف المنحرفة.
فاعلم أيها السلطان الأغرُّ والإمام الأبَرُّ، أن أخطر ما أصاب فكر النهضة في زمنكم أنهم خلطوا الفقه الاختياري في حال السعة، بفقه الاضطرار في حال عدم الاستطاعة، ورجحوا التكميلي في البيعة على ضروري بقاء الدولة، وخاطبوا الناس بالأماني، وأرادوا تقويم المعوج فكسروه، فلا ظَهرا أبقوا ولا أرضا قطعوا، وكان أحرى بهم أن يعملوا بالمستطاع لإبقاء الأصل صالحا، ولكنهم أفسدوا الأصل وهدموا الفرع، وضيعوا الموجود في طلب المفقود، وليس هذا من الفقه الذي عرفناه، ولا من السياسة الشرعية التي قامت بها دول الإسلام.
بل بلغنا أن تلك الشرذمة الجاهلة تتهمنا بأننا من فقهاء السلاطين، وأننا أسقطنا الشرعية من أجل سلطة المتغلِّب، وجرَّحُوا كوكبة العلماء الربانيين، وقالوا بأنهم من علماء السلاطين، وما ذاك إلا باختراق ذلك الباطني المتستر بجمال الدين الأفعاني الذي بث فكر الاعتزال مع ثورية الشيعة في الفكر الديني في بعض الجماعات الدينية السُّنية، واجتمع فيهم مع ما يسمى بثورية اليساريين من أصحاب الشمال، وهم من اليمين أبعد ما يقال، مع أننا نعلم أصله الفاسد عندنا، هنا قريبا من نيسابور، ولو كنا موجوديين بينكم، ما كان ينبغي لهم وما يستطيعون، ولكن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
لم يكتف فكر النهضة وسلفه الفاسد من جمال الدين المعمم بالسواد على رأسه، والمجلل بالفساد في قلبه، ببذر فكرة هدم الخلافة السنية العلية، بل تبعه من جماعات الفكر الديني التي ادعت أن فكر هذا الباطني هو فكر النهضة وأنه من المجددين، وهم أنفسهم يبكون على الخلافة الراحلة، وهو الذي دق المسامير في نعشها، بنزع الشرعية الدينية عنها، وهي الوسيلة نفسها التي يهدمون بها الدولة القُطرية، ويجعلون الشعوب جماعات بشرية مظلومة على هامش الإنسانية.
وإني أحذرك يا صاحب السلطان وقدوة الأنام من كل دعوة تجعل الصراع على السلطة شرطا مقدَّما على حفظ الأمة، وتجعل إسقاط الدولة طريقا إلى إقامة الدين بحسب فكرهم المريض، فإن إقامة الدين لا تكون على أنقاض الجماعة، ولا تبنى الخلافة فوق ركام الجثث البريئة، ولا تحفظ الشريعة على شلالات الدماء بين الشعب والدولة، وإن حصل ذلك فأهل السنة بريئون من ذلك، ونحن نشير بإصبع الاتهام إلى الفكر الباطني الثوري المعتزلي في هدم المجتمعات السنية.
وإن مما ينبغي التفطن له يا صاحب الخلافة أن الباطني جمال الدين الأفغاني ومن سار في طريقه، اعتقدوا أن الاستبداد وحده أصل الداء، وغفلوا عن مكر دول الفَرَنْجة المتربصة بهذه الأمة، ونسوا ضرورة السلطان الجامع لكلمة المسلمين، فإنهم يفتحون من حيث قصدوا الإصلاح أبوابا للفوضى والفساد لا يعلم مداها إلا الله، فالسياسة الشرعية كما لا يخفى على جنابكم العالي لا تقبل حسن النيات مع فساد النهايات، ورفع الشعارات والتمنيات مع فوات الغايات، وإن منع المبادي أهون من قطع التمادي، وإنما تنظر الشريعة إلى تحصيل المصالح ودرء المفاسد عن العموم لا الخصوص، وما أهلك الناس إلا مَن زُيِّن له سوء عمله فرآه حسنا، وظنوه مجددا، ومن جعله الله عبرة اتخذوه قدوة،( وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ)
لم يكن فقهاء الملة يوما دعاة للظلم كما يدعي زعماء فكر النهضة وخلَفُهم الفاسد، ولا سكت فقهاء الملة يوما عن الفساد، فإن العدل قِوام الملك، ولكنهم رجحوا الضروري على التكميلي، وهذا فقه دقيق ثقل على المثقفين فهمُه، وصعب على المفكرين رسْمُه، لأنه نظر في الشريعة وأصولها، وليس كذلك شأن المثقفين الذين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، وإن هم إلا يظنون.
فليس الإصلاح الذي يهدم الدولة إصلاحا، ولا الدواء الذي يقتل الجسد دواء، وإنما الإصلاح الحق أن يؤمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ولكن كيف وقد رأت جماعة النهضة بالإثم وخلفُها بالشر، المعروف منكرا، والمنكر معروفا، ثم أمروا بالمنكر ونهوا عن المعروف، عندئذ حق لنا أن نقول لقد ولدت الأمة ربتها.
وإنني -يا عالي الشأن وصاحب السلطان- أهيب بنَقَلة المذاهب المتبوعة أن يُحيُوا فقه الترجيح بين الضروري والتكميلي، وأن لا يحملوا الناس على ما لا تطيقه الأحوال ولا تسعه الأموال، وأن لا يكونوا سببا في ضياع أصول المصالح التي يريدون حفظها، ثم يختل عليهم الضروري والتكميلي كما اختل على الذين من قبلهم من زعماء النهضة بالإثم.
وقد نبَّه إلى ذلك شقيقنا المالكي الفهامة الحبر الإمام الشاطبي في كتاب الموافقات، فإنه كتاب يُكمِّل ما بدأنا به هنا في نيسابور في كتابنا غِياث الأمم في التياث الظلم، فإذا اجتمع الغياثي في حقيقة الدولة، مع مقاصد الشاطبي في الترجيح بين الضروري والتكميلي، عُلِمت مراتب الأحكام، ومقاطع مصالح الأنام، واستطاعوا بناء سياسة يشد فيها جوهر الدولة في الغياثي بمصالحها في الشاطبي.
ولكن أيها السلطان الغالب المهاب الجانب، أرى رياحا عاتية من الغرب، تنقلب فيها الدنيا إلى دنيا جديدة، تنقلب فيها المعارف وأصولها، في أمر يختلف عما عهدنا في وقتنا، وهو أن العدو جاء يحمل الصليب لغزو بيت المقدس، ولكنه في زمانكم لم يأت بالصليب بل جاء بمعارف عالمية جديدة، فلا تنظروا في جزئياتها، بل انظروا في كلياتها، فإذا هدمتم كلياتهم المعرفية سقطت جزئياتهم، لأن الجزئي لا يكون جزئيا إلا بالكلي، وإسقاط الكلي أهون فإنه ينحصِر والجزئي لا ينحصر، لأنهم أشبه بالباطنية في وقتنا.
واحذر من خطر فكر النهضة لأنه سيعيد قراءة نصوص الشريعة لإخراج المعرفة الغازية من داخل عباءة الإسلام، و يعيد تفسير النص، ويتجاوز المذاهب المتبوعة، ويدخل في حركة عنيفة، وينحسر المذهب الفقهي إلى زوايا ضيقة يتهم فيها بالجمود، ولكن فكر النهضة يحمل تناقضاته في داخله، يترنح في داره فكيف بدار غيره من الديار المحمدية المشرفة بالرسالة الخاتمة، وسنبقى نذكر عصا الشيخ عليش المالكي، الذي قرع بعصاه في الأزهر مَن خرج على علوم الشريعة، فكانت عصاه خير خلف لخير سلف في دِرَّة عمر رضي الله عنه، وكأن الفقه بدأ بدِرَّة عمر وانتهى عليش، ألا نعم الخلف ونعم السلف.
وأيها السلطان المكرم، ليست المشكلة في فكر النهضة نفسه، بل المشكلة هي في غياب الحق في زوايا المعرفة، بعد العزلة التي أصيبت بها الأمة ومذاهبها المتبوعة، فلا يظهر زيف الباطل إلا بصفاء الحق، فمتى قام فقهاء الملة ونقَلة المذاهب بحق الأمة خير قيام، زهق الباطل إن الباطل كان زهوقا، ولا يكون قيامهم بمذاهبهم إلا بظهور مصالح الشريعة فعلا، لا بالخطابة والتعبئة العامة، فابتلى الله تعالى أهل المذاهب بائتمانهم على هذه الشريعة، وعلى ذاكرة السلف صافية نقية.
فاحفظ أيها السلطان المكرَّم وحدة المسلمين، ولا يضُرَّنَّك هواجس المفكرين، وجدل المثقفين المتجاوزين لعمل الأمة ومذاهبها المتبوعة، ولكن أصلِح ما استطعت إلى الإصلاح سبيلا، واستعن بنقَلة المذاهب الراسخين في الشريعة، الذين عرفوا الأحكام بالمقاصد والمآلات، ولا يغترون ببريق شعارات النهضة والتجديد الديني المزيف، ولا يجعلون الخصومة مع السلطان طريقا إلى إضاعة المسلمين حكاما ومحكومين، ولا يجعلون مقاومة الظلم سببا في تسليم الأمة إلى كيد الباطنية في الداخل والغزاة من الخارج، بل يسلكون في الحرب على الظلم مسلك العدل الجامع بين أصل الدولة وأصل الأمر بالمعروف.
فإذا اجتمع لك حفظ الدولة ومصالحها، فقد استبانت لك السبيل، ووضحت محجة الطريق، وإذا تعذر الجمع بين الضروري والتكميلي، فقدِّم حفظ الأصل الضروري، فإنه إذا فات لزم ضروة فوات التكميلي، لأن الضروري-كما ذكرت- مع التكميلي كالصفة مع الموصوف، فإذا زال الموصوف زالت الصفة ضرورة، ثم استمر في الإصلاح ما وجدت إليه سبيلا، فإن البناء يستمر على الموجود، لا على الفرا غ والعدم، كما يدعي فكر النهضة المتجاوز.
هذا ما أوصى به عبد الملك الجويني إمام الحرمين إلى سلطان المسلمين عبد الحميد الثاني، نصرة لسلطانه، في فقه الملة وبناء الأمة، فإن العصمة للأمة لا للأئمة، وبقاء الجماعة مقدم على التنافس على الرئاسة في مركزية السلطة، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
والسلام على كهف المؤمنين وسيف المسلمين ورحمة الله وبركاته.
عندما ينهار المعنى في عالم الدهماء، فإنه يظهر صريحا بين شفتي الجويني ومقاصد الشاطبي، في زمن مخاتير الثقافة، ودعاة القصة القصيرة، وسجناء اللحظة المثيرة، من غير القادرين على عبور أمواج التاريخ العاتية.
المحجة البيضاء
عبد ربه وأسير ذنبه
وليد مصطفى شاويش
2-صفر-1448ه
18-7-2026
