من الحديبية إلى اليرموك
كيف تصنع السياسة الشرعية قوة الأمة
1-ترجيح ضروي الدين على التكميلي:
قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة للعمرة وصدته قريش عن البيت ورجع دون العمرة، وأبرم صلح الحديبية سنة 6 للهجرة، ولما رجع للمدينة أرسل الرسل إلى الملوك واتخذ من صلح الحديبية درعا سياسيا في تحييد قريش عن الصراع، بحيث تعترف فيه قريش وهي عصبة العرب بالواقع الجديد في المدينة كقوة إسلامية على الأرض، فكان تحييد قريش ممهدا لإرسال الرسل للملوك وهي مصلحة دينية عامة راجحة على العمرة التي هي مصلحة جزئية خاصة، وتنازل عنها في صلح الحديبية إلى أن يعود للعام القادم، وهو إعادة ترتيب الأولويات بين المصلحة الجزئية التي يمكن أن تقضى والمصلحة الكلية الدائمة في ضروري الإسلام.
2-التمهيد لنظام دولي قادم:
وفتَح النبي صلى الله عليه وسلم مكة في السنة الثامنة، ودانت له جزيرة العرب، مما شكل قوة ضاربة أكبر من قوة صلح الحديبية، وبعد أن أرسل الكتب للملوك في الماضي وجد في وحدة الجزيرة سياسيا تأهيلا جديدا للخروج على رأس جيش في ثلاثين ألفا لم يجتمع للعرب جيش مثله قط، في هندسة السياسة من مرحلة صلح الحديبية وإرسال الكتب إلى الملوك إلى مرحلة القوة العسكرية الضاربة في العلاقات الدولية حينئذ، ونُصر بالرعب، وأبرم صلحا مع صاحب أَيْلة (العقبة)، في خطوة لتشكيل مواثيق جديدة تشكل بذرة لنظام دولي قادم يتكون من مجموع المصالح الجزئية في عهود الصلح الكثيرة، واستمر الصحابة في العراق والشام ومصر إبرام معاهدات الصلح في تحييد الخصوم، وتجنب استنزاف الأمة في الحروب، وكان مجموع هذه المصالح الجزئية الكثيرة يشكل في مصالح شرعية كلية.
3-الفُرقة من علامات البدعة:
لذلك من الضروري أن يبدأ المسلمون اليوم بتشكيل أحلاف جزئية بينهم، تحمي مصالح شرعية جزئية، وتكثير هذه الأحلاف بين المسلمين مفيد لتقوية وجودهم أمام العالم، بدلا من الأفكار الدينية الشاذة في مركزية السلطة وتهدم مركزية الأمة، خصوصا مُحدَثات الفكر الدعوي المعاصر في التكفير بالحاكمية والولاء والبراء، وتحويل الجهاد إلى حرب أهلية داخل البيت السني، لذلك يجب الحذر من تمدد الفكر الاعتزالي والباطني واختراقاته للفكر الدعوي المعاصر، ولا بد من بيان قاعدة أهل السنة والجماعة أن الكفر جحود معلوم من الدين بالضرورة ويجب إبطال علل التكفير المستمرة على أصول الاعتزال.
4-السياسة الشرعية تمنح خطيب السعادة إجازة مفتوحة:
لم يطل الوقت كثيرا، عقد النبي صلى الله عليه وسلم لواء جيش أسامة، ليذكر الروم بأن أسامة هو ابن زيد بن حارثة قائد مؤتة، حيث رأى الروم قتالا لم يشهدوا مثله قط، وبعد أن لحق الرسول صلى الله عليه وسلم بربه، في أقل من خمس سنين كان جيش القادسية يفل جيش كسرى في المشرق، وجيش اليرموك يخترق دمشق عاصمة هرقل، فلم تكن الفتوحات فجائية وبنت لحظة مؤقتة، بل كانت نتيجة لمقدمات في فقه المصالح في السياسة الشرعية، وعلى رأسها ترجيح المصلحة الكلية على المصلحة الجزئية، كما رأيت في صلح الحديبية، وليس بالتعبئة العامة للجمهور، والخطابة الجوفاء في مستنقع الكبائر.
الكسر في الأصول لا ينجبر
عبد ربه وأسير ذنبه
وليد مصطفى شاويش
12-ربيع الآخر-1448
24-9-2026
