هل نحن مع منافع الخمر وضد مضارها (الحرب على إيران)

[printfriendly]

هل نحن مع منافع الخمر وضد مضارها

(الحرب على إيران)

تحاول هذه المقالة إثارة بحث موضوعي، لبيان مركزية الأمة وطرفية السلطة، في موضوع السياسة الشرعية، وهي مناقشة في ضمن المستوى الثاني، لوضع محددات نظرية في الحرب، الغاية منها كيف نقف مع أنفسنا في الحروب، وقد أثارت المقالة مداولات حول الأسئلة الآتية:

1-ما العلاقة بين العنوان الرئيس والفرعي، هذه خمر ، وتلك حرب على إيران.

2-هل يجوز لي أن أقول أنا مع إيران في حربها على الكيان، وضد إيران في قصفها البلاد العربية؟

3-كيف تتصرف الجماعات الدينية في مركزية السلطة عند حدوث الأزمات كالحرب؟

4-كيف نصل إلى موقف من الحرب على ضوء مركزية الأمة في السياسة الشرعية. 

5-على فرض اختلطت علينا الأفكار وتشابهت المواقف فماذا يجب أن نفعل؟ 

1-العلاقة بين العنوان الرئيس والفرعي:

يبدو  أنه لا صلة بين العنوان الرئيس والعنوان الفرعي، ولكن إذا بحثنا في أصول المسائل، وجدنا الفقهاء يعبرون عن أصول بعض المسائل بقولهم:  هو من باب الصلاة في الأرض المغصوبة، وينبهون بذلك على الانفكاك بين النهي والمنهي عنه، وأن النهي في هذه المسائل لا يقتضي الفساد، أي  صحة الصلاة في الأرض المغصوبة مع الإثم بسبب الانفكاك، أما الصلاة في وقت التحريم فالصلاة فاسدة، لعدم الانفكاك بين النهي والمنهي عنه، لأن الزمن وهو  وقت النهي جزء من الفعل، والنهي يقع على الجميع، يقتضي الفساد، لعدم الانفكاك بين الزمن والفعل، بخلاف المكان والفعل.

2-التأصيل لما يمنع مع جملة المصالح فيه:

هذا الأصل يحكي لنا كيف نبحث أصوليا بعض الأفكار الدينية المعاصرة، مثل أنا أكره الكفر  ولا أكره الكافر، ولكن أكره فعله، ولا يميز   بين كون الجهة منفكة كالصلاة في الأرض المغصوبة، وبين الجهة غير المنفكة كالصلاة في وقت النهي، وهو أن الحكم يكون جملة ولا يجوز تجزئته، فالصلاة فاسدة، ولا وجه للصحة، وهنا يتوجه سؤال على الداعية،  إذا كنت تكره الكفر ولا تكره الكافر، فهل يمكن أن تقول في غزوة بدر أنا مع الكافر  أبي جهل ولكنني لست مع كفره، ويجب أن نميز بين الكفر والكافر، وإذا كنت تكره القتل ولا تكره القاتل، فعلى من ستقيم حكم القصاص، على القاتل أم على فعل القتل، وعندما حرم الله الخمر  حرم منافعها، فليس لك أن تقول أن مع منافع الخمر  لكنني لست مع مضارها.

3-الموقف من الحرب على إيران واحد وليس اعتباريا معها في كذا وضدها في كذا :

وهكذا الحرب على إيران، فليس لك أن تقول أنا ضد قصف إيران للكويت الشقيقة، ولكنني مع قصف إيران لدولة الكيان الغاصب، لأن الحرب واحدة ليست منفكة الجهة، ولكن الانفكاك في آثار الحرب على الكيان أو على بلد عربي مسلم، ومِن ثم يجب عليك أن تزن جملة المفاسد مع جملة المصالح المترتبة على تلك الحرب، وتنتهي إلى حكم واحد، كما هو الحال في الخمر، فإما أن تصبح محرمة مع منافعها، أو أن تجوز كالعملية الجراحية المفيدة مع شدة آلامها وآثارها الجانبية.

4-أهل السنة الإمامية حالة خوارزمية متناقضة ومواقف ميكانيكية متلاعنة:

أما أهل السنة الإمامية في مركزية السلطة فلن يعنيهم هذا البحث ولا هذا السؤال، لأن الاصطفاف لا يبنى على أصول السياسة الشرعية في تقدير الموقف مع إيران ضد عدوها، أو ضد إيران مع عدوها،  لأن ميكانيكا الفكر  وخوارزميات هي الحكم وليست مكاسب السياسة الشرعية والمفاسد المترتبة، الناظرة في كلي المصالح والمفاسد ثم ترجيح الكفة مع عدو ضد عدو آخر  هو الكيان.

5-فكر الأب المؤسس يهدم السياسة الشرعية:  

إن الجماعات الدينية ستستدعي التاريخ والعقائد لتكون هي الحاكمة، فتقف جماعة ضد إيران في كل مرة لأنهم شيعة خاضوا في دماء أهل السنة، بينما الشق الآخر من أهل السنة الإمامية سيقولون هم إخواننا في الدين ويضربون بالفوارق العقدية عرض الحائط، ولكن الجامع مع الشيعة هو الفكر الثوري واليساري القومي وليس المصالح أو المفاسد، فكلا الفريقين من أهل السنة الإمامية يتبع خوازميات فكرية وميكانيكا الدعوة المباركة عند الفريقين للوقوف موقفين متناقضين تماما.

6-مركزية الأمة والشريعة لا خوازمية الجماعة والحركة:

ستقول لي وما موقفك أنت أقو ل إنني سأكون نزيها معك، إن الموقف في السياسة الشرعية مبني على تقدير  مصالح، يرسمه خبراء الحرب والاقتصاد والسياسة، وإننا أتطلع إلى مناظرة بين  خبراء متخصصين،  يقوم كل منهما بمعارضة الآخر، بحيث يكون المتفق عليه بينهما جميعا هو مركزية الأمة في مصالحها ودفع المفاسد عنها، نظرة كلية جامعة، وهذا الأمر  يحتاج إلى إعادة بناء المعرفة الإسلامية في العلوم الاجتماعية على ضوء الضرورات الخمس متفقة بين جميع المتناظرين، وعلى رأس هذه الضرورات حفظ الدين والنفس، وهذا يستدعي الخروج من قهر العلمنة المعرفية في العلوم الاجتماعية ومنها السياسة والإعلام.

7-مركزية الأمة والشريعة مع المجتهدين في الفقه والسياسة والحرب:

إن الثغرة المعرفية لدى مركزية السلطة، يمكن أن تكون الحاجة إلى معارضة نظرية من قبل الخبراء، في التقدير النظري الذي يضطلع به المجتهدون في السياسة والفقه والإعلام والاقتصاد، ولا يمكن أن يسند قرار  الأمة إلى المؤثرين على التفاصليات، ولغة التحريض في الجماعات الدينية التي تقاتل في السياسة الشرعية لإثبات صحة نبوءات الاب المؤسس، والرجل الرمز الذي ظهر في الفراغ الكبير.

8-عند اختلاط الأفكار يجب الانحياز للأمة ودينها ووجوب الإنكار على العدوين معا:

هذه المقالة لا تهدف إلى إعطاء حكم للحرب معها أو ضدها، بل إلى التاصيل للبحث حتى لا يتحكم المزاج في الموقف، وحتى أضع محددا فقيها، في مجال السياسة الشرعية في المستوى الثاني، أما الموقف الواجب فهو الانحياز للأمة عند تعارض الأفكار وليس الانحياز إلى أحد العدوين، يجب علينا أن نقف مع أنفسنا لا مع غيرنا.

الكسر في الأصول لا ينجبر

عبد ربه وأسير ذنبه

وليد مصطفى شاويش

29-محرم-1448ه

5 1-7-2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to top