هل يجوز حضور العرس فيه منكرات (قواعد الترجيح في المقاصد)

هل يجوز حضور العرس فيه منكرات

(قواعد الترجيح في المقاصد)

1-الوقائع يختلط فيها الأمر بالنهي:

أ-أمثلة اجتماع المصالح مع المضار :

اعلم أن الواقع الخارجي ممتزج بالأوامر  والنواهي من غير انفصال، فما من أمر إلا يشوبه نهي، والمصالح ممتزجة بالمفاسد، فمن صلى الضحى في وقت الإجارة الخاصة، يتناوله الندب والنهي لحق صاحب العمل، والطبيب في الطوارئ إذا كان في الصلاة، ثم جاءت حالة حرجة، فإنه يتنازعه الأمر بالصلاة والنهي عن إتلاف نفس المريض، فيؤمر الطبيب بترك الصلاة لأنها تقضى، أما حياة المريض إذا فاتت فإنها لا تقضى، فلا يجوز أن يمزق الدين فيتمسك أحد بالصلاة ويترك المريض، وأن يتمسك الآخر بإسعاف المريض دون وجه للترجيح، ثم يحصل النزاع ويضرب كتاب الله بعضه ببعض، وهذا هو الباطل والتفرق في الدين.

ب-الحكم الشرعي على المجموع وليس على الانفراد:

وقد نظر  الشرع في تحريم الخمر للهيئة الاجتماعية من المنافع والمضار، وحكم على المجموع بالتحريم ولو مع ما فيها من المنافع، وهكذا هي سنة الأحكام على المجموع، وقد حكم الشرع في الجهاد الواجب على المجموع فجعله فرضا مع ما فيه من تلف النفوس والأموال، وقال: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم)، فحكَم الشرع بفرض الجهاد على مجموع المصالح والمفاسد، ولا يجوز الانحياز  للمصالح منفردة ثم الأمر بها، وفريق آخر  ينظر للمفاسد وينهى عنها، فيضطرب الدعاة وينكر بعضهم على بعض، ويضرب كتاب الله بعضهم بعض، ومن هنا تحدث الفرق والشقاق في الدين.

2-المصالح في الحضور  راجحة على المفاسد:

وبما أن حفل العرس فيه أوامر وتعتريه نواه، والمصلحة فيه مشوبة بالمفسدة، فلا بد من تقدير المصالح الشرعية ومقابلتها بالمفاسد، فإذا قلنا إن الحضور هو أوامر شرعية بصلة رحم وإعلان النكاح، ووجوب إجابة الدعوة للعرس، والمفسدة هي قطع الرحم وخفاء الزواج، وأما النهي فهو سماع اللهو المحرم، علمنا أن الحضور  راجح على عدمه، لما فيه مصالح شرعية عظمى في مقابلة مفسدة دنيا في عدم الحضور، ولا يجوز ترك الحضور  ثم التهنئة في غير العرس لأن مصلحة إعلان النكاح وصلة الرحم لا تتدارك في غير مناسبتها.

3-المفاسد في الحضور   راجحة على المصلحة:

ولو افترضنا وجود إطلاق نار في العرس، أو  وباء قد يفشو في الناس، فإن هذه مفاسد أشد  لما فيها من تهديد الأرواح فتكون مفسدة الحضور في إتلاف النفس، راجحة على مصالح الحضور المذكورة، وهذا كله يؤكد أن قضايانا مثل وباء كورونا والحرب على غزة والحرب على إيران كلها ممتزجة لا يمكن فيها الفصل بين الأوامر والنواهي، بل لا بد من إعطاء حكم واحد للجملة المجتمعة في المفاسد والمصالح، كما أعطى الشارع حكما على الجملة بالتحريم على الخمر  التي فيها مصالح ومفاسد، فالحكم يكون على الجملة، وأن من ينظر للمفاسد فيحكم بالمنع، وينظر للمصالح فيحكم بالجواز هو  حكم باطل لأنه حكم على تصور انفراد المصالح عن المفاسد، وهو  تصور فاسد، لأن الحكم يكون على الجملة المجتمعة منهما، وفق قواعد الترجيح بين الضروري والتكميلي.

4-النظر في النوازل للمجموع الكلي لا للمصالح على انفراد أو المفاسد على انفراد:

وهذا كله يبين أن الوقائع تمتزج فيها المصالح بالمفاسد، وشأن الفقيه وهو الترجيح للغالب منهما،  فيرجح مصلحة عظمى على مفسدة دنيا، أو يرجح مفسدة على مصلحة لأنها مساوية، لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح عند التساوي، ومن الخطأ أن يأخذ أحد بالمصالح أو بالمفاسد دون بحث الضروري والتكميلي وترجيح الضروري على التكميلي، وبيان قاعدة الترجيح فيهما، وإن المشكلة تحصل في تناقض المصلحة والمفسدة، فيذهب قوم لترجيح المفسدة بلا مرجح معتبر، ويأخذ آخرون بالمصلحة دون قواعد الترجيح، ثم يبغي بعضهم على بعض بالنصوص المتشابهات، ويتفرقون في الدين، لعدم تصور أن الواقع ممتزح بالمصالح والمفاسد، وأن الحكم يكون على المجموع، وأن قواعد الترجيح هي المحجة البيضاء القاطعة لدابر الخصومة المصطنعة التي فرقت الدين، بسبب حالة التدين الحكائي والتراشق بالنصوص المتشابهات.

الروح المسافرة

عبد ربه وأسير ذنبه

وليد مصطفى شاويش

20-ربيع الآخر-1448

2-10-2026

عَمَّان المحروسة

 

 صياغة المقال بالذكاعي ، حدثني ربيعة عني 

تقرير فقهي تحليلي: أحكام حضور الأعراس المشتملة على منكرات وقواعد الترجيح في الوقائع المركبة

1. المدخل الأصولي: طبيعة الوقائع المركبة وحكم الشارع على المجموع الكلي

تتأكد الأهمية الاستراتيجية والأصولية لفهم الوقائع المركبة في الشريعة الإسلامية من خلال التكييف الفقهي لطبيعة الواقع الخارجي المعاش؛ إذ إن الواقع الخارجي واقعٌ ممتزج يتداخل فيه الأمر بالنهي، وتختلط فيه المصالح بالمفاسد من غير انفكاك أو تجزئة. فلا يوجد أمر شرعي في الواقع التطبيقي إلا وقد يشوبه وجهٌ من النهي، ولا توجد مصلحة إلا وهي مشوبة بجهدٍ أو مفسدة حافة بها. وإن الحكم الفقهي الرشيد لا يستقيم بالاستدلال بالجزئيات المنعزلة أو بالوقوف عند شطر من الواقعة دون الآخر، بل يقتضي إعمال نظر كليّ حكيم يتناول الهيئة الاجتماعية والمجموع الكلي للواقعة المشتبكة، بالنظر إلى أن التكييف الشرعي الناجز يتعامل مع الواقعة بوصفها وحدة معقدة لا تقبل التجزئة أو الفصل.

وبناءً على هذا التأصيل لامتزاج الواقع الخارجي وعدم انفكاك الأوامر عن النواهي فيه، يتبيّن أن إغفال النظر الكلي يورث الاضطراب الفقهي والشلل الدعوي؛ وهو ما تمهد له الشريعة بإرساء قواعد الترجيح لإجراء الموازنة التطبيقية في النوازل المركبة، وعلى رأسها نازلة حضور الأعراس المشتملة على بعض المنكرات.

1.1 امتزاج الأوامر بالنواهي في الواقع الخارجي واستحالة الفصل

إن الشريعة الإسلامية جاءت لمراعاة أحوال المكلفين في واقعٍ لا تنفك فيه الأوامر عن النواهي؛ إذ يستحيل فصل التكليفات الشرعية عن سياقها المركّب في أعيان الوقائع. ومن خلال التحليل الأصولي للنماذج التطبيقية الواردة في هذا الباب، يتبيّن التنازع الفقهي الدقيق وكيفية حسمه بموجب قواعد الترجيح:

  • صلاة الضحى في وقت الإجارة الخاصة: يتنازع هذه الواقعة أصلان شرعيان؛ الأول ندب الشارع لصلاة الضحى، والثاني النهي الأكيد المتوجه للأجير الخاص عن شغل وقت الإجارة بغير عمل المستأجر. ويتحرر التكييف الأصولي لهذه الحالة بأن منافع وقت الأجير مملوكة شرعًا للمستأجر بموجب عقد الإجارة (حق الآدمي)؛ فتأدية الالتزام الوظيفي واجبة يقينًا، وإضاعة وقت العمل محرمة، فيُقدّم الواجب وحق الآدمي ويُنهى الأجير عن التنفل بصلاة الضحى في هذا الوقت؛ لأن المندوب لا يزاحم الواجب والاشتغال به يؤدي إلى التعدي على حق غيره.
  • طبيب الطوارئ المتلبس بالصلاة عند ورود حالة حرجة: يتنازع الطبيبَ في هذه اللحظة الأمرُ الشرعي بالاستمرار في الصلاة وإتمامها، وفي المقابل النهي عن إتلاف نفس المريض المؤدي إلى هلاكه عند التراخي. ويتعين أصوليًا هنا تقديم إيقاف الصلاة وإسعاف المريض؛ لأن مصلحة حفظ حياة المريض إذا فاتت بالتأخير فهو تلفٌ محقق لا يُستدرك ولا يُقضى، بينما مصلحة الصلاة يمكن تداركها بالقضاء.

ويتضح من خلال هذا التحليل أن جمود المكلف على طلب إتمام الصلاة في حالة طبيب الطوارئ، أو ترك المريض لإتمام النافلة، أو اشتغال الأجير بالندب على حساب عمله الواجب دون الاستناد إلى مرجح أصولي يراعي الآثار الكلية، يفضي إلى مفاسد جسيمة؛ إذ إن التمسك بأحد الجانبين على وجه الانفراد يورث النزاع، ويؤدي إلى تمزيق الدين وضرب كتاب الله بعضه ببعض، وهو عين الباطل والتفرق المذموم شرعًا.

1.2 سنّة الشريعة في الحكم على المجموع الكلي لا على الانفراد

اطردت سنة الشريعة الإسلامية في إصدار أحكامها التكليفية بناءً على النظر في الهيئة الاجتماعية الكلية للمجموع المركب، لا على الأوصاف المنفردة والمستقلة، وتستخلص الدلالة الفقهية العميقة لمنهاج الشارع من استقراء النوازل الكبرى:

  • تحريم الخمر: نظر الشارع الحكيم إلى مجموع المنافع والمضار في الخمر بالنسبة للهيئة الاجتماعية؛ ورغم وجود منافع جزئية فيها، إلا أن الشرع ألغى هذه المنافع وحكم على المجموع الكلي بالتحريم لرجحان مفسدتها الغالبة.
  • الجهاد الواجب: نظر الشارع إلى المجموع الكلي لمصالح الجهاد ومفاسده، فحكم بالفرضية على المجموع المركب، بالرغم من اشتماله على مفاسد جزئية حتمية تتمثل في تلف النفوس والأموال.

وقد تجلت هذه القاعدة الأصولية في النص القرآني المحكم:

(كتب عليكم القتال وهو كره لكم)

تمثل هذه الآية الكريمة المظلة القاعدة للنظرة الكلية للمصالح والمفاسد؛ فالقتال كره للنفوس لما فيه من المشقة وتلف الأرواح والأموال (وهي المفسدة الجزئية)، لكن الشارع الحكيم فرض المجموع لما يتحقق به من المصالح الكبرى لحفظ الدين والأمة، والتي تربو وتزيد على تلك المفاسد.

إن عواقب الانحياز الفكري أو الفقهي لمصلحة منفردة والأمر بها دون النظر للمفاسد المقابلة، أو الانحياز لمفسدة منفردة والنهي عنها بمعزل عن المصالح الحافة بها، تؤدي بالضرورة إلى اضطراب الدعاة، وإنكار بعضهم على بعض، ويتسبب في ضرب كتاب الله بعضه ببعض ونشوء الفرق والشقاق في الدين نتيجة الغفلة عن التكييف الكلي للجملة المركبة. وبعد إرساء هذه القاعدة الأصولية الحاسمة في الحكم على المجموع الكلي لا على الانفراد، ننتقل مباشرة لإسقاط هذه الأصول وتنفيذ هذه الموازنة التطبيقية على نازلة حضور الأعراس المشتملة على بعض المنكرات.

2. الموازنة الشرعية في حضور الأعراس: بين المصالح العظمى والمفاسد الدنيا

إن تنزيل القواعد الأصولية السابقة على حفل العرس يوجب التعامل معه بوصفه واقعة مركبة؛ فحفل العرس تتداخل فيه الواجبات والمندوبات الشرعية مثل وجوب إجابة الدعوة، وإعلان النكاح، وصلة الرحم، وقد تعتريه في الوقت ذاته بعض المحظورات مثل سماع اللهو المحرم. ومن ثم، وجب على الناظر الفقهي إجراء موازنة شرعية دقيقة بين مجموع المصالح المحققة والمفاسد المقترنة للوصول إلى الحكم الشرعي الرشيد المنصبّ على الجملة الكلية.

وبناءً على هذه الموازنة التي ترجّح جانب الحضور في الأحوال الاعتيادية، فإن ثمة حالات استثنائية يتغير فيها مناط الحكم تمامًا، حيث يترجح جانب المنع والإحجام لوجود مفاسد طارئة تعصف بالأصل المرجو.

2.1 ترجيح جانب الحضور عند اقتصار المفسدة على سماع اللهو المحرم

عند تقدير المصالح الشرعية ومقابلتها بالمفاسد في حفل العرس الذي لا يتجاوز المنكر فيه مجرد سماع اللهو المحرم، يظهر أصوليًا رجحان جانب الحضور نظراً لكون المصالح المحققة مصالح عظمى تتصل بمقاصد الشريعة، في مقابل مفسدة دنيا مقترنة به.

ولبيان هذه الموازنة الفقهية، يوضح الجدول التحليلي المزدوج التالي المقارنة الشاملة بين جانبَي الحضور والغياب والمرجّح الشرعي المعتمد:

الجانب المترجَح المصالح المحققة المفاسد المقترنة المرجح الأصولي والنتيجة الفقهية
جانب الحضور (إجابة الدعوة) • إعلان النكاح وإشهاره.<br>• صلة الرحم وتأليف القلوب.<br>• أدوات القيام بواجب إجابة الدعوة. • سماع اللهو المحرم (مفسدة دنيا محتفة بالواقعة). ترجيح جانب الحضور: تقديم المصلحة الشرعية العظمى (إعلان النكاح وصلة الرحم) على المفسدة الدنيا؛ لأن إهدار المصلحة العظمى لأجل مفسدة مرجوحة يخل بمقاصد الشريعة.
جانب الإحجام / الغياب • السلامة من سماع اللهو المحرم (تحصيل مصلحة دنيا). • قطع الرحم وإثارة الشقاق.<br>• خفاء الزواج وإضعاف إشهاره.<br>• تفويت واجب إجابة الدعوة. بطلان الاعتياض بالتهنئة الخارجيّة: لا يجوز أصوليًا ترك الحضور والاعتياض عنه بالتهنئة في غير وقت العرس؛ لأن مصلحة إعلان النكاح وصلة الرحم مقترنة بزمان المناسبة ولا تتدارك في غير وقتها المخصص لها.

يتضح أصوليًا أن التفويت الحاصل بترك الحضور يولد مفاسد راجحة تتمثل في قطع الرحم وخفاء الزواج، وهي مفاسد تخل بمقاصد الشريعة. ولما كانت مصلحة إعلان النكاح وصلة الرحم مرتبطة بظرفها الزمني ومناسبتها الاجتماعية بحيث لا تتدارك إطلاقًا إذا فاتت في غير وقتها، فإن الاعتياض بالتهنئة المأخرة لا يحقق المصلحة الشرعية المطلوبة، مما يجعل الحكم بالوجوب أو الرجحان للحضور هو الحكم المتعين على المجموع الكلي للواقعة.

2.2 ترجيح جانب المفاسد والمنع عند الخطر على النفوس والأرواح

تنتقل مفسدة الحضور من مفسدة دنيا مرجوحة إلى مفسدة راجحة توجب الإحجام والمنع الشرعي القاطع إذا طرأت على الحفل دواعي الخطر الشديد. وتتحقق هذه المفسدة الراجحة عبر الضوابط التالية:

  • وجود إطلاق النار في الأعراس: لما فيه من تهديد مباشر للأرواح والسلامة الجسدية للمدعوين.
  • انتشار الأوبئة والأمراض الفتاكة: لما في التجمع والحشد من تسبيب لعدوى مهلكة تفشو بين الناس وتؤدي إلى التلف.

ويعلل هذا الترجيح أصوليًا ومقاصديًا بأن مفسدة الحضور في هذه الأحوال تتصل برتبة الضروريات والمتمثلة في (حفظ النفس)؛ إذ إن إتلاف النفس أو تعريضها للهلاك مفسدة عظيمة يُقدم درؤها قاطعًا على المصالح المترتبة على الحضور والمتمثلة في إعلان النكاح أو صلة الرحم، والتي تنزل في الترتيب المقاصدي منزل مرتبة الحاجيات أو التكميليات.

ويؤكد هذا التكييف بطلان أي تصور فقهي يفصل بين المصالح والمفاسد في مثل هذه الأحوال، أو يحكم بالجواز بناءً على النظر التجزيئي لمصلحة صلة الرحم منفردة؛ إذ إن الحكم الشرعي ينصبّ على الجملة المركبة والمجموع الكلي للواقعة المشتبكة. وهذا التنزيل المقاصدي يمهد الطريق لفهم السلم التراتبي للقواعد الأصولية الحاكمة للترجيح في كبريات النوازل المعاصرة.

3. قواعد الترجيح الفقهي بين الضروري والتكميلي وتطبيقاتها المعاصرة

إن التكييف الأصولي لمراتب المصالح يستند إلى التمييز الدقيق بين رتبتي “الضروري” و”التكميلي”. وإن مهمة الفقيه والناظر في النوازل المركبة لا تتوقف عند مجرد التعرف على ذوات المصالح والمفاسد، بل تكمن في إعمال مرجحات الشريعة وضوابطها القاطعة للترجيح بين المقاصد، بتقديم ما هو ضروري يمس حفظ الدين والنفس على ما هو تكميلي أو مفسدة دنيا، وذلك لحفظ نظام المجتمع وعصمة المكلفين من التنازع والشقاق.

إن استيعاب هذا السلم التراتبي القائم على قواعد الترجيح الأصولية يمثل الحصن الحصين والشبكة الفكرية الواقية للمجتمع الفقهي والدعوي، حيث يرفع الخلاف المصطنع، ويصون الأمة من التفرق والنزاع في النوازل المعقدة.

3.1 القواعد الأصولية الحاكمة لعملية الترجيح

انضباط عملية الترجيح الفقهي في الوقائع المركبة يستند إلى جملة من القواعد الأصولية المحكمة:

  1. تقديم المصلحة العظمى على المفسدة الدنيا: يُصار إلى إهدار المفسدة الدنيا وتحملها في سبيل تحصيل المصلحة الشرعية العظمى التي تربو عليها وتزيد، كما هو الحال في تقديم مصلحة إعلان النكاح وصلة الرحم على مفسدة سماع اللهو المحرم.
  2. درء المفاسد أولى من جلب المصالح عند التساوي: إذا تتكافأت المصلحة والمفسدة ولم ترجح إحداهما على الأخرى في واقعة معينة، فإن الشريعة تقدم دفع الضرر والمفسدة على جلب المصلحة.
  3. تقديم الضروري على التكميلي: تعتبر مراتب المصالح المقاصدية حارسة لعملية الترجيح؛ بحيث يُقدم الأصل الضروري (مثل حفظ النفس من الهلاك) على الجانب التكميلي أو الحاجي، وتُلغى المصلحة التكميلية تمامًا إذا كانت يتضمن تحصيلها إبطالاً أو تهديداً لأصل ضروري.

3.2 إسقاط القواعد على النوازل الكبرى ونقد “التدين الحكائي”

تنسحب قواعد الترجيح الأصولية المذكورة في مسألة الأعراس عبر التعدية والقياس الأصولي على النوازل المعاصرة الكبرى التي تمس الأمة، مثل: وباء كورونا، والحرب على غزة، والحرب على إيران.

إن هذه القضايا والنوازل الكبرى هي وقائع مركبة ممتزجة باقتران المصالح بالمفاسد وتداخل الأوامر بالنواهي فيها؛ ومن ثم يستحيل أصولياً الفصل بين أوامرها ونواهيها، أو إفراد مصالحها بالحكم دون مفاسدها. فالنظر إلى المفاسد منفردة للحكم بالمنع، أو النظر إلى المصالح منفردة للحكم بالجواز، هو منهج باطل مبني على تصور فاسد يفترض انفكاك المصلحة عن المفسدة في الواقع الخارجي.

ويعود التشخيص الأصولي لظاهرة الخصومة المصطنعة والتفرق في الدين عند التعاطي مع هذه النوازل إلى غياب الفقه المقاصدي الكلي، والوقوع في آفة التجزئة، ويمكن إجمال أسباب هذا الخلل في المحاور التالية:

  • غياب إعمال قواعد الترجيح: والذهاب إلى ترجيح المفسدة أو المصلحة تحكمًا بلا مرجح أصولي معتبر.
  • الاعتماد على “التدين الحكائي”: وهو نمط من التدين السطحي المنفصل عن التأصيل الفقهي، والذي يعتمد على سرد النصوص والجزئيات والروايات بوصفها قصصًا وحكايات مقطوعة عن سياقها، دون ردها إلى القواعد الأصولية الكلية أو النظر في مراتب الضروري والتكميلي والهيئة الاجتماعية للمجموع.
  • التراشق بالنصوص المتشابهات: واستخدام الأدلة الجزئية على وجه التناقض والتعارض الظاهري، دون ردها إلى محكمات قواعد الترجيح الشاملة.

إن التمسك بقواعد الترجيح الفقهي بين الضروري والتكميلي، وإعمال النظر الكلي في المجموع المركب للوقائع، هو السبيل الأصولي الوحيد لحسم الخصومات المصطنعة، وعصمة الأمة والدعاة من البغي والتفرق في الدين، وإقامة الفتيا على المحجة البيضاء.

1 thought on “هل يجوز حضور العرس فيه منكرات (قواعد الترجيح في المقاصد)”

  1. أكتوبر 2, 2026 - غير معروف

    جزاك الله كل خير يا شيخنا الجليل الدكتور وليد شاويش . حفظك الله ورعاك ورفع الله قدرك وشأنك في الدنيا والآخرة إن شاء الله . ونفع الله بك الأمه الاسلاميه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to top