هيمنة النموذج الرأسمالي على الفكر المالي العالمي
(مسألة للمناقشة)
1-النموذج الكلي للحداثة في الفكر المالي:
تنطلق الفلسفة الغربية من فلسفة عدم وجود حقائق في نفسها، وقيمة الشئ في منفعته، ومن هنا ظهرت ممارسات مالية لا ينظر إليها القانون أنها حقيقة في نفسها، بل باعتبار وجهة نظره قانونا، بخلاف نظر المحاسبي والضريبي والمصرفي فله أن ينظر إليها بحسب ما يراه وأن يطبق رؤيته، ولا مانع في ذلك عندهم، للإيمان بعدم وجود حقيقة في نفسها، انسجاما مع فلسفة السوفسطائية السائدة بعدم وجود حقيقة في نفسها، وإنما هي بحسب رؤى الناظرين إليها، وهذا لا إشكال فيه ضمن النموذج الفلسفي الكلي المؤثر في القانون والاقتصاد والاجتماع، بل وفي مجال الأسرة بعدم تعدد حقيقة الذكر والأنثى بحسب الجندر، وإن اختلفا من حيث التركيب العضوي، وليست المساواة بين الرجل والمرأة إلا نتيجة لهذه السفسطة التي انتهت بتقنين عمل قوم لوط.
2-انتقال الممارسة المالية الحداثية إلى بيئة مخالفة في النموذج:
انتقلت المالية الغربية مع نموذجها الكلي القائم على عدم ثبات حقائق في نفسها، في فروع المعرفة المختلفة،إلى الحضارة الإسلامية القائمة على وجود حقائق في نفسها وثابتة، فأراد الباحث المسلم أن يكيف تلك الممارسات الغربية خارج فلسفتها وبيئتها، لينظم أحكامها حسب الشريعة، فاضطربت وجهات النظر في حقيقة الوديعة، والحساب الجاري، والسهم، وغيرها كثير، وما زالت هذه الممارسات عصية على الفهم ضمن النموذج الكلي الإسلامي المؤمن بحقيقة في نفسها، وأدى إلى ظهور فكر مالي متحور يشبه الشريعة في شي ويفارقها في شئ، ويشبه الحداثة في شئ ويفارقها في شئ،
وإن كنا الآن في مرحلة تجاوز المالية الإسلامية في سيرتها الأولى ستشهد الأيام القادمة تجاوز التجاوز، إلى النهاية العدمية والشك، وهذا ليس من سمات الفقه الإسلامي في شئ.
3-ضرورة استيلاد النموذج الكلي الإسلامي:
إن الحل هو استيلاد فكر مالي على مستوى النموذج الاقتصادي المناسب للعقيدة الإسلامية التي تؤمن بحقائق ثابتة خلافا لسوفسطائية الحداثة، وإن استمرار التفكير في إعادة التكييف الفقهي للجزئيات سيبقى عرضة للتراجعات عنها، ويمكن التأكد من ذلك من خلال الفتاوى المالية في بدايات الصيرفة الإسلامية قبل خمسين عاما، وإلقاء نظرة على ما هي عليه الآن، بأنها جميعا صارت محلا لإعادة النظر، بسبب التناقضات الخفية داخل الفلسفة الكلية، وسيبقى التناقض في مجال محاولة استيعاب جزئيات الحداثة تحت كليات الشريعة، لأن تبرير جزئيات الحداثة تحت الشريعة معضلة زباء ذات وبَر أعْيَت السائق ونفرَت بالقائد.
التجديد الديني، الجمود الفقهي، المذهبية، اللامذهبية، عديم المذهب، الباراديم، التفكير الجزئئ، التلفيق المذهبي، المثالية، الواقعية، السوفسطائية، والحقائق في نفسها ثابتة.
عبد ربه وأسير ذنبه
الطريق إلى السنة إجباري
الكسر في الأصول لا ينجبر
أ.د وليد مصطفى شاويش
جنيف، سويسرا
14-محرم-1446
21-7-2024
