واقع الفكر الديني المعاصر  والفقيه الـمُنْتظَر    مع الإشارة إلى فلسفة العقد الاجتماعي (هوبز، لوك، روسو)

 

واقع الفكر الديني المعاصر  والفقيه الـمُنْتظَر   

مع الإشارة إلى فلسفة العقد الاجتماعي (هوبز، لوك، روسو)

تمهيد: فلسفة العقد الاجتماعي:

قام فكر  هوبز  (إنجليزي 1679)على العقد الاجتماعي الذي تنازل الأفراد فيه للدولة عن حقوقهم، وأن الدولة تمثل الوحش المطاع بلا اعتراض من الشعب، وقام فكر العقد الاجتماعي عند جون لوك (إنجليزي 1704) على أن الناس أخيار وهم وكلوا الحاكم ليكون خادما لمصالحهم، وللمجتمع عزله بالقوة إذا خرج عن مقتضى هذه الخدمة، أما الحاكم عند روسو  (فرنسي 1778) فزاد على لوك بأن جعَل الحاكم مندوب مبيعات لدى الشعب، وكل هؤلاء هم المؤسسون لفكر العقد الاجتماعي، المستمد من مبادئ القانون الطبيعي.

1- مبادئ القانون الطبيعي تغزو الفكر الديني المعاصر  في مركزية السلطة:

يترنح  الفكر الديني المعاصر  بين مذهب هوبز في إطلاق طاعة ولي الأمر، وتوظيف الكتاب والسنة الصحيحة على أصول سلفهم هوبز  دون أمر  بالمعروف ولا نهي عن منكر، مما يعني ضياع بيان الشريعة، أما المعارضة فهي تحشد الكتاب والسنة الصحيحة على أصول السلف الصالح لوك وروسو، لخلع الحاكم المتغلب ونزع يد الطاعة والثورة عليه، إذا أخل بحقوق المجتمع دون التمييز بين التكميلي والضروري في جوهر الإمامة.

2-أثر الفكر الديني المعاصر في إفساد المجتمع السني:

أ-مركزية السلطة لا مركزية الشريعة:

وهذا الفكر  الديني المعاصر كان سببا في هدم الخلافة العثمانية بدعوى إبطال حكم المتغلب، وعليه فإن الصراع بين المعارضة والموالاة داخل خرابة الفكر  الديني المعاصر  هو صراع داخل مبادئ القانون الطبيعي الحداثي، ولا يصح نسبته إلى الشريعة بحال من الأحول لا مع السلطان ولا ضد السلطان، فهو تفكير جزئي تتشابه عليه نصوص الشريعة، ويُنتج شرعا مزيفا يخدع الشعوب بخطاب السعادة في المعارضة، ونخبوية السلطة، والتمركز  حول السلطة وتهميش دراسة المذاهب المتبوعة الجامدة في زعمه، وكان ذلك إقصاء للشريعة من العلم الذي هو شرط التكليف، وهذا كله يعني أن شعبوية المعارضة ونخبوية السلطة، تجعل السلطة مركزية والباقي في شعبويات المعارضة ونخبويات السلطة متغيرات تابعة.

ب-بعد مائة عام على عرس بغل التجديد:

 وبعد مائة عام على عرس البغل في التجديد الديني بلا جديد، تقف الحداثة والفكر الديني المعاصر والقانون الدولي والنظام الدولي  والعربي، عاجزِين عن تقديم شئ ينفع البشرية، والحرب على غزة شاهد لا يكذب، في وجود انسدادات فكرية أدت إلى انسداد القانوني والسياسي والعسكري، لأن الطبيعة تعطي نتائج متناقضة كما رأيتَ التناقض بين هوبز  ولوك وروسو ، ومدى تأثُّر الجماعات الدينية المعاصرة بمبادئ القانون الطبيعي، بعد أن تنكبَّت المحجة البيضاء في المذاهب المتبوعة، وإقصاء مركزية الشريعة والاجتهاد والتقليد، وإحلال المفكر  والرأي العام، وخطاب السعادة بالخطوط العريضة والاقتضاءات الأصلية، التي لا تتضمن تكليفا، وإنما هي خطاب شعبوي، وما يطلبه المستمعون، والجمهور  عاوز كذا.

3-المدرسة الفقهية السنية خارج مبادئ القانون الطبيعي:

أ-الإمام الشاطبي يرد فكر المعتزلة والقانون الطبيعي:

عقَد الإمام الشاطبي في النوع الأول من كتاب المقاصد المسألة الخامسة إلى الثامنة، لمناقشة مبادئ القانون الطبيعي في تعيين الحق والمصلحة في بحثه مع الاعتزال في التحسين والتقبيح، والحداثة في مبادئ القانون الطبيعي، وهو مبحث جاهز للرد على الفكر  الطبيعي عند الجماعات الدينية المعاصرة والحداثة معا، لذلك نجد أن الفقهاء لم يسلكوا مسلك هوبز  في الغلو في منصب السلطة، ولا لوك وروسو في هدم السلطة، بل خالف العلماء  أهواءهم واتبعوا الشرع الذي يرفع التناقض بين المصلحة والمفسدة في الطبيعة، إلى المصلحة الشرعية التي يعمل بها الفقهاء، بخلاف الواقعين تحت تأثير مبادئ القانون الطبيعي، فإن الأمر يتشابه عليهم.

ب-الفقهاء تحت ميثاق الشرع وليس العقد الاجتماعي ومبادئ القانون الطبيعي:

فالفقهاء التزموا ميثاق الله في الجماعة ولو  مع  مفسدة المتغلب، وذلك لمحاربة العدو الخارجي والكيد الباطني، ورجحوا الضروري في حفظ الدماء على التكميلي في البيعة، وذلك بميثاق الشرع وليس العقد الاجتماعي الوهمي، وفي الوقت نفسه سُجنوا وعذبوا في أمر السلطان بالمعروف ونهيه عن المنكر دون النزاع على السلطة، للمحافظة على مركزية الشريعة، واستمرارها دون نزاع على السلطة، من أجل المحافظة على البيان العلمي للحق،( لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٍۢ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَىَّ عَنۢ بَيِّنَةٍۢ).

 –أئمة السلَف خالفوا الأهواء التي هي الميول الطبيعية عند هوبز أو لوك وروسو، وأما مركزية الشريعة في الفقه فحافظت على استمرار  التراكم في بناء الفقه، بينما مركزية السلطة تقوم بدور قص الحشيش كلما نَما في الفكر الإسلامي المتمركز حول السلطة سواء معارضة أو موالاة، تغيرت الدولة وجبت ما قبلها من الفكر والمواقف، لأن السلطة هي المنتهَى والمرمَى الذين ينتهي إليه الفكر  الديني المعاصر، وأقف إقامة الشرع على إقامة السلطة أولا، فكان سببا في تعطيل الشريعة.

ج-الفكر  الديني المعاصر  سبب في هدم الخلافة:

 بخلاف الفكر الديني المعاصر  المنسلخ عن المذاهب المتبوعة، وكان سببا في هدم الخلافة العثمانية، لأنها من ولاية المتغلب، ونز ع عنها الشرعية الدينية تمهيدا للحرب عليها عسكريا وسياسيا، وهذا الفكر المعاصر  إما أن يميل كل الميل ذات اليمين لهوبز، أو ذات اليسار لجون لوك، والمشترك بينهم هو مبادئ القانون الطبيعي في القدَرية والجبرية، المشتمل على امتزاج المصالح العادية بمفاسدها، على نحو  لا يمكن رفعها إلا من جهة الشارع سبحانه وتعالى، الذي يعين المصالح والمفاسد من جهة الشرع، وهو ما أحسن فهمه أئمة الدين من السلف.

4-نحو فقيه الأمة والدولة:

أ-بعد هدم الخلافة مرحلة تجاوز التجاوز:

إن فكر هوبز  وما يؤسس له داخل المجتمع السني من الفكر الجبري، أو فكر لوك وروسو  وما يؤسس له من الفكر المعتزلي القدَري، على يد الباطني جمال الدين الأفغاني، ولم يقف الفكر عند تجاوز  فقه أهل السنة في ولاية المتغلب، بل تجاوَز التجاوُز  وانتزع صفة الإسلام عن المسلم في الدولة الوطنية، التي كانت من نتائج هدم الخلافة العثمانية، واعتقدوا أنهم يعيشون في الفترة المكية، ويبحثون عن إقامة خلافة هم هدموها سابقا

ب-تعطيل دراسة المذاهب والانشغال برؤى الحزب والجماعة:

وعطلوا تدريس المذاهب الفقهية المتبوعة، وفقدت الأمة ذلك الفقيه الذي خرج من قدرية المعتزلة وجبرية هوبز، هذا الفقيه الذي يقرر الحكم الشرعي وفق قاعد المصلحة الشرعية التي تعم الجميع معارضين وموالين شعبا ودولة، ولا يعرف فلسفة المنفعة الجزئية الفئوية، لذلك يجب استعادة فقيه الأمة والدولة بعيدا عن جبرية طاعة ولي الأمر وقدرية المعتزلة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ج-الفقيه المنْتظَر:

إن الفقيه هو فقيه الأمة والدولة، الذي ينظر  إلى المجموع بصرف النظر  عن الانتماء الفئوي ولاء ومعارضة، أو الانتماء إلى إحدى الجماعات الدينية المتصارعة، ولا يتخذ من هذه الجماعات والأحزاب التي تمثل رؤى أصحابها حجبا يحجب بها نفسه عن الشريعة، بل يحدب ظهره نحو العلوم الإسلامية الأصلية والفرعية ويتعامل مع مذاهب فقهية رصينة تمثل رأي الجماعة، ويشتق من ذلك طريقا يبسا في خضم الأحداث، يبين عن الله تعالى وشرعه، لا عن الحزب والجماعة والموالاة والمعارضة، أو الإقليمية والجهوية الضيقة.

الإسلام والعقد الاجتماعي، الفكر الديني المعاصر، عديم المذهب، نظام الحكم في الإسلام، جون لوك، روسو، هوبز، الليفيثيان، تاريخ الأنظمةالسياسية، العقد الاجتماعي، عرس البغل، التجديد الديني، النظام السياسي في الإسلامي، البيعة للحاكم.

وإن جلد ظهرك، العقد الاجتماعي، الدولة الإسلامية، إلغاء الخلافة، ولاية المتغلب، هوبز، جون لوك، جان جاك روسو، المذهبية، التجديد الديني

مقالات ذات علاقة:

طاعة ولي الأمر بين الاختيار والاضطرار  في فقه العمران ومقاصد الشريعة

https://walidshawish.com/?p=12252

طاعة ولي الأمر بين الإسفاف والإجحاف… وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك

https://walidshawish.com/?p=6048

عبد ربه وأسير ذنبه

الطريق إلى السنة إجباري

الكسر في الأصول لا ينجبر

أ.د وليد مصطفى شاويش

عَمَّان الرباط

23-ذي الحجة-1445

30-6-2024

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to top