يحشر المرء مع من أحب بين الملة والجِبِِلَّة (فماذا عن حب النبي صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب) (نحو قانون دولي إنساني بديل)

يحشر المرء مع من أحب بين المِلَّة والجِبِلَّة

(فماذا عن حب النبي صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب)

(نحو قانون دولي إنساني بديل)

أسئلة برسم الإجابة

س1: ما أهمية التمييز بين الحب الجبلي الاضطراري والحب في الفكر والسلوك.

س2: ما أثر التمييز  بين الجبلي والاختياري في الأحكام الفقهية.

س3: هل يعتبر الشرع في عمل الكافر  إذا وافق الكافر  العمل وخالف في القصد.

س4: لماذا اعتبر الشرع حمية أبي طالب في دخوله في الشعب، والمطعم بن عدي في إجارته النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من الطائف مع أنهما لم يدخلا تحت الشهادتين؟

س5: كيف نوفق في العمل أدلة الشارع بين قوله صلى الله عليه وسلم: إنما الأعمال بالنيات، وقوله : من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد، وفي ضوء هذا النصين، كيف نفهم اعتبار الشرع لعمل أبي طالب والمطعم بن عدي وهم مشركون وإهدار  الشرع عمل المسلم المبتدع بالكلية.

س6:ما حكم تلك الجماهير   من غير المسلمين الغاضبة من أجل غزة، هل عملها عدم في نظر الشارع، أم لها اعتبار؟ وإلى أي مدى ذلك الاعتبار  في ضوء قوله تعالى: (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا) ؟

س7: هل يجوز تفضيل عرب الجاهلية الذين مزقوا صحيفة المقاطعة على المسلمين القاعدين اليوم سواء قعدوا اختيارا أم إجبارا عن نصرة قضايا المسلمين مع بيان الحكم معللا.  .

س8: هل يجوز  تفضيل غير  المسلمين المتظاهرين من أجل غزة على المسلمين القاعدين مع القدرة على نصرتها مع بيان الحكم معللا. 

س9: على فرض اعتبر الشارع عملا  للكافر بوجه، فهل يمكن تأسيس تشريع إنساني إسلامي للعمل الإنساني الموافق للشرع، ويكون بديلا للقانون الدولي الإنساني القائم على مبادئ القانون الطبيعي، خصوصا أن هذا القانون لا يملك محددات كالشريعة، وما نراه من حرب الإبادة في غزة لا يخفى .

 تمهيد: مثال الحب في الجبلي (الطبع) والمِلِّي (الشرع):

1-أمثلة الفرق بين الجبلي والملي:

ذكرتُ أمثلة كثيرة على محكم من محكمات هذه الشريعة الواضحة، وهو أن من أصولها عدم التكليف بما لا يطاق، وأن الجبليات من الفرح والغضب والكره هي أمور اضطرارية لا تكليف بها، بل التكليف بالأفعال الاختيارية، وما ورد من التكليف الشرعي  بالجبلي، فهو إما تكليف بالسوابق كالتأمل في النعم المؤدي لحب الله، والنهي عن الغضب هو نهي عن اللواحق للغضب كالسب والشتم فليس النهي عن الغضب في نفسه بل بما يتبعه من مخالفات شرعية.

2-اعتبار الجبلة خادم لمقاصد الملة:

 فحب الابن المسلم لأمه الكتابية حب جبلي طبعي لا نهي فيه، وكذلك حب النبي صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب حب طبعي لمن حماه من بطش المشركين، وكحب المريض المسلم لطبيبه الكافر الذي أحسن إليه، وهذه الانفعالات الاضطرارية كلها لا يتعلق بها حكم شرعي لأنها اضطرارية لا اختيارية، وهذا كله خادم للشرع لأن الولاية للأب المسلم على الزوجة والأبناء في بناء الأحكام، كما كانت نصرة أبي طالب والمطعم بن عدي في حميتهم موافقة للعمل الذي اعتبره الشارع.

3-تمييز المقاصد في الشريعة عن المنافع في الحداثة:

 ولكن الفكر المتجازو  في فتاواة الشاذة أجاز  أن تبقى المرأة التي أسلمت وبقي زوجها على الكفر ، وهدم قصد الشارع الأصلي ببناء الأحكام فصاحب الولاية الكافر  لا يؤمن بإقامة أحكام الشريعة ولا سبيل لإقامتها، وهذا يؤكد أن الفكر الديني المتجاوز  هو فكر مطبع مع الحداثة باسم المقاصد، مما يعني ضرروة إبراز الفرق بين المقاصد الشرعية التي تحافظ على الأحكام والمنفعة الغربية المتسترة بالمصالح الشرعية في الفكر الديني المتجاوز.

أولا: رد المتشابه في يحشر المرء مع من أحب إلى المحكمات:

1-النص المتشابه في الحب:

جاء في صحيح البخاري، عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، كيف تقول في رجل أحب قوما ولم يلحق بهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  المرء مع من أحب) وهذا المعنى كثرت عليه نصوص الشريعة، ويجب إعمال الأصل الشرعي في رد الحب المحتمل للجبلي والاختياري إلى محكم الشريعة في أنه لا تكليف بما لا يطاق في الجبلي، وحيث ورد ظاهره التكليف فهو  إما تكليف بالسابق كالتأمل في النعم، أو باللاحق وهو شكر النعمة.

2-التفريق بين المحبة الجبلية والمحبة في الفكر والفلسفة:

 ولكن الشأن في فهم هذه المحبة أنها المحبة الاختيارية الحاصلة للتوافق في الاعتقاد والعمل، وما يألفه الإنسان من الدين وأهله، فهذه المحبة مختلفة في حقيقتها عن المحبة الطبعية كحب النبي صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب، وقد يكره مسلم أخاه المسلم الذي ظلمه فهذا كره جبلي طبعي وليس لدين المسلم كما يحب الطبيب الكافر إذا أحسن له، فوجب شرعا التفريق في نصوص الشريعة بين الحب الطبيعي والحب في الفكر والعمل>

 ثانيا: الجبلي قصد ثانٍ خادم للقصد الشرعي الأول بالتعبد:

1-أبو طالب والمطعم بن عدي موافقة للعمل ومخالفة للقصد:

إن مراعاة الشرع للجبلي بالقصد الثاني كان باعتبار  أن الجبلي خادم للتعبد الذي هو القصد الأول، فقد وافق أبو طالب في دخوله الشعب مع المسلمين في العمل الموافق وهو عمل النبي صلى الله عليه وسلم معه، وخالف الشرع بالقصد، لأنه لم يدخل تحت الشهادتين أصلا، فكانت حمية العرب في أبي طالب خادمة للقصد الشرعي في حماية الدعوة، واعتبر الشرع عمل أبي طالب والمطعم بن عدي الذي دخل النبي صلى الله عليه وسلم في جواره موافقا للعمل مخالفا في القصد، ودليل هذا الاعتبار قوله صلى الله عليه وسلم  بعد غزوة بدر   لو أن المطعم بن عدي كان حيا وكلمه في أهل بدر من المشركين لتركهم له، فهذا دليل من الشرع على اعتبار  عمل الكافر  وهو إجارة المطعم بن عدي النبي صلى الله عليه وسلم ومزق صحيفة المقاطعة وهو فعل موافق للشرع، ومخالف للقصد لعدم دخوله تحت الشهادتين.

2-حمية الجاهلية هي باعتبار الأفعال الاختيارية في محاربة الشرع:

بينما كانت حمية الجاهلية حراما باعتبار أعمالهم في مقاطعة المسلمين ومحاربة الشرع، فلم تكن الحمية بذاتها حراما ولا حلالا، إذا لا تكليف بها من حيث إنها طبع، بل التكليف بالأفعال التابعة لها فهي موافق للعمل عند الشارع في أبي طالب والمطعم بن عدي، بينما ذمَّ الشارع  حمية الجاهلية التي كانت تحارب ضروري الدين، ولا يخفى أن الشعور الإنساني النبيل جبل عليه الإنسان، وهو الذي يدعوه إلى معاداة حر ب الإبادة في غزة وأمثالها، وإن كان لم يدخل تحت قصد الشارع بالشهادتين، ويطبق ذلك على القوميات المعاصرة فهي معتبرة إذا كانت في حماية الشرع، ومذمومة إذا رجعت على الشرع بالنقص أو الإبطال.

3-دليل اعتبار  العمل الموافق للشرع مع القصد المخالف:

أ-الأصول النقلية:ودليل اعتبار عمل الكافر ما يأتي:

أن الله تعالى خفف العذاب عن أبي طالب في النار وهذا دليل اعتبار عمله.

وكذلك اعتبار النبي صلى الله عليه وسلم حلف الفضول في الجاهلية.

 –وقوله أيضا في صحيح مسلم لحكيم ابن حزام  أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية؟ هل لي فيها من شيء؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أسلمتَ على ما أسلفْتَ من خير) فلم يجعل ما كان في الجاهلية عدَما بل له وجه اعتبار  فإذا أسلم صار تاما.

 –وكذلك أخذ يوسف أخاه حسب شريعة الملك ولكن ذلك كان موافقا لشريعة يوسف عليه السلام وهو قوله تعالى : (كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم)

زيادة على ذلك أن الكفار  مخاطبون بفروع الشريعة.

                إن الإسلام شرط صحة وليس شرط وجوب، ونحن لم نعامل عمل الكافر  أنه صحيح، بل هو فاسد، ولكن الشريعة صححت بعض أعمال الكافرين الفاسدة، مثل إبقاء الكعبة على بناء الجاهلية، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ضرب الأعرابي الذي بال في المسجد وقال: دعوه، وهذا لا يعني صحة العمل، بل درء مفسدة وهو  تحت الشرع، فالعمل الفاسد يمضي ويعتبر  ولو مع الفساد، ولا يكون عدما محضا في نظر  الشارع، بل له وجه من الاعتبار .

ب-أمثلة على فروع الأصول النقلية:

وأصلٌ لذلك أيضا أن من قَصَد شرب الخمر  ثم تبين أنه شراب طيب، فهذا عمل في شرب الطيبات وقع مع قصد مخالفة الشرع، ومع ذلك اعتبر  عمله الموافق للشرع فلا يقام عليه حد الشرب باعتبار قصده، فاعتبر الشرع هنا العمل الموافق مع أن العمل مخالف لقصد الشرع بقصد شرب الخمر ولم يقعل العمل، وهكذا من نظر إلى امرأة يظنها أجنبية فإذا بها زوجته، ومن غصب مالا فبان أنه مال الغاصب فهذه مخالفة في القصد موافقة في العمل لأن حقيقة الفعل أنه نظر لزوجته، وأخذ ماله أخذا موافقا للعمل لكنه كان قاصدا الغصب فلا يطالب بالرد.

ج-مناصرة غير المسلمين قضايا المسلمين:

  وهكذا حكم غير المسلمين الذي يناصرون قضايا المسلمين، فهم وافقوا في العمل وخالفوا القصد لأنهم لم يقصدوا موافقة الشارع وليسوا تحت الشهادتين أصلا، فهذا نقص في عملهم ولا يكون على الوجه الذي يعمله المسلم، بل يكون منطويا على فساد بسبب الكفر، واعتبار كاعتبار العقد الفاسد في إمضائه ناقصا، فهذه عدالته تعرف من الأصول النقلية التي مرت هنا.

د-الشرع يؤسس لقانون دولي إنساني بديل للقانون الطبيعي:

إن القانون الدولي الإنساني بني على مباديء القانون الطبيعي، وهي علل طبيعية تؤدي إلى تناقض البشرية في الحقوق والمصالح كما نراه اليوم، وهو متأثر بفلسفة الاتحاد بين الإله والعالم حسب فلسفة باروخ إسبينوزا، والتي يسميها البعض خطأ بوحدة الوجود، فإذا اشتقَقْنا من شريعتنا حسب مراعاة الجبلة  وأن الشريعة حاكمة على الوجه الذي اعتبرت فيه أعمال الجاهلية ولم تجعلها عدما، فهذا يعني أن الشريعة بوصفها مهيمنة ضمن أدلتها الكلية والجزئية قادرة على تأسيس قانون دولي إنساني بدل فلسفة اتحاد الإله في العالم والعقل القانوني القائم على ضرورات الطبيعة في فلسفة الذي اخترعه باروخ سبينوزا، وبذلك نصبح أمام قانون دولي إنساني محكوم بالشريعة.

ثالثا: حكم تفضيل المشركين المناصرين على المسلمين القاعدين :

1-تفضيل الكافر  المناصر لقضايانا على أصحاب الكبائر  هدم لقيمة لشهادتين:

كثيرا ما نسمع أن العرب في الجاهلية خير من العرب المسلمين القاعدين عن نصرة غزة، بل تسمع التكفير السياسي تصريحا أو تلميحا، وتفضيل المتظاهرين المشركين من أجل غزة على بقية القاعدين ولو مسلمين دون تمييز ، والسبب أن خطاب الأغلبية لا توجد له قواعد تحكمه، وإذا راجعت أحدهم فيما يقول من خطاب الأغلبية وجدته لا يكفر بالفعل، بمعنى أننا أمام موقف هو انفعال بالحدث مع ما تيسر من التاريخ والنصوص الدينية، وهو لا ينطوي على موقف عقدي جازم، مما يعني انفصال الأقوال الظاهرة عن المقاصد الباطنة، وتشوه معرفي يخل بالفهم، وهذا يعني أننا لسنا أمام خطاب فقهي تفصيلي، يناقش على أساس شروط التكليف العلم والاستطاعة، وأننا أم خطابات وهمية تحجبنا عن الشريعة.

2-بطلان محاكم التفتيش على قلوب المسلمين:

أ-لا يفضل الكافر المؤيد على المسلم القاعد اختيارا:

والصحيح أن الكافر  الجاحد للنبوة مع أنها بلغته صحيحة لا تقبل أعماله الموافقة للشرع كالتظاهر من أجل فلسطين أو قضايا المسلمين العادلة، ولكن يعتبر عمله بقدره، ولا يجعل من الكافر فاضلا على المسلم الذي يدين بالشهادتين، فالمسلم أعماله صحيحة، وأما  الكافر  فيعامله الله بأعماله بقدره، وأصحاب الكبائر تحت المشيئة، وأما المسلم العاجز  المضطر  فهو غير مكلف إلا مع العلم والقدرة، وتحقيق مناط ذلك يكون من الشخص نفسه وليس من قبل الآخرين.

رابعا: بطلان الحكم بالجملة على المسلمين:

ظهر تفضيل الشيعة على أهل السنة لأن الشيعة يؤازرون فلسطين بحسب الظاهر، وكذلك غير المسلمين من الفنانين والرياضيين الذين يؤازرون قضية فلسطين، بل ويتعدى ذلك إلى تصحيح مذاهبهم الفكرية لمواقفهم النبيلة، وربما يظهر التكفير بالولاء والبراء جملة في عجز سياسي وضبابية معرفية خانقة، مع أن الكفر فهو جحود معلوم من الدين بالضرورة، ولا يوجد محاكم تفتيش بل يحكم باليقين الثابت لأهل الشهادتين وفضلهم، ولكن التكفير السياسي القائم على المكاسب السريعة لا يرى قيمة للشهادتين فيفضل المشركين في الجاهلية والمتظاهرين ن غير المسلمين على المسلمين.

خامسا: الولاء والبراء بين النظر الفقهي والر ؤية الفكرية للجماعة :

بين الأصوليون خطورة الاستنباط من العلل العامة، فهي تؤدي إلى الحكم ونقيضه، لذلك لا يجوز  الاسترسال مع الخطابة والثقافة العامة في أمور الشريعة وفيما يأتي نصان على ذلك:

                قال الجويني في إبطال الاستنباط من المعاني الكلية : (وحَقُّ الناظر أَلّا يَمشيَ بخَطْوِه الوِسَاعِ في أبواب التعبدات؛ فإنّ المعانيَ الكليةَ وإن كانت معقولةً مَقبولةً، فمَحلُّ التعبُّد يَمنعُ الاسترسالَ في طريق المعنى. ومَن بَحَثَ عن جَرَيانِ الأوّلين في التفصيل، ورُزِقَ التوسُّع في الأخبار والآثار، فلا يَلقَى مذهبًا لأئمة السّلف إلّا مستندًا إلى أثرٍ، وآثارُ أصحاب الرسول ﷺ في مثل هذا الباب مُستندُها ما فَهِمُوه من الرسول ﷺ في الأمر بالإحداد) نهاية المطلب في دراية المذهب، وعليه فلا يصح الاستنباط من الحكم الشرعية كالاقتضاءات الأصلية مثل إباحة البيع والأمر بالعدل والحرية والمساواة وغير ذلك الأصول العامة.

                وقال في الغياثي: غياث الأمم في التياث الظلم: (والذي يُحقِّقُ الغرضَ في ذلك إذا عَدِمْنا مجتهدًا، ووجدنا فقيهًا دَرِبًا قيّاسًا، وحَصَلْنا على ظن غالب في التحاق ما لا نَصَّ فيه في المذهب الذي يَنتَحِلُه بالمنصوصات، فإحالةُ المستفتين على ذلك أولى من تَعْريةِ وقائعَ عن التكاليف، وإحالةِ المسترشدين على عَمَاياتٍ وأمورٍ كلية، كما سيأتي شَرَحْنا عليه في المرتبة التالية إن شاء الله عزّ اسمُه، وهذا فتح عظيم في الشرع لائق بحاجات أهل الزمان، وقد وفق الله شرحه، وتنخَّل من مُحصل الكلام أن الفقيه الذي وصفناه يَـحِلُّ في حق المستفتي محلَّ الإمام المجتهدِ الراقي إلى الرُّتبة العُلْيا في الخلال المرعية ناقلًا ومُلحِقًا وقايِسًا. ثمّ يقلد المستفتي ذلك الإمامَ المقدَّم المنقلِبَ إلى رحمة الله [تعالى] ورضوانه، لا الفقيهَ الناقلَ القيّاس)

1-الولاء والبراء علة عامة تؤدي لأحكام متناقضة:

أ-تناقض السياسة الشرعية والإمامة مع سيولة الولاء والبراء:

إن فكرة الولاء والبراء في الفكر الديني المتجاوز غير صالحة لأن تكون علة للأحكام التفصيلية في مجال السياسة، بل تتناقض عليهم بين طاعة ولي الأمر في أحلافه السياسية مع المشركين، فترى غلاة التكفير في الولاء والبراء ينقضون فكرهم في طاعة ولي الأمر  في أحلافه السياسية أو يهدمون الدولة بهذه الفكرة.

ب-سيولة فكرة الولاء والبراء أدت إلى انشقاقات بين أتباعها:

 وإذا تولت السلطة الجماعات الدينية التي أسرفت في التكفير  بالولاء والبراء، مارست سياسات نقيضة لمقولة الولاء والبراء لدخولهم في ضرورات السلطة وإكراهاتها الدولية والمحلية، فما يقررونه في الاعتقاد يتناقض عليهم في السياسة الشرعية، لذلك تخلَّت بعض الجماعات المسلحة في الشام عن عقيدة الولاء والبراء في تحالفها السياسي مع تركيا ومع ذلك كفرتها جماعات أخرى بالولاء والبراء ومحبة الكافرين لأن تركيا دولة دهرية (علمانية).

ج-المزيد من الانشقاق بسبب إجمال الفكرة:

 وازداد الانشقاق بين جماعات الولاء والبراء بعد تولي تلك الجماعة السلطة في الشام ووقعت في ضرورات سياسية تأكد لها أن فكرة الولاء والبراء غير صالحة للدين والدنيا، ولكن ما زالت هذه الفكرة السائلة في مركزية السلطة صالحة لتحضير عفاريت الغلو  لاستخدامها ضد الخصوم السياسيين، ومن الأهمية بمكان الرجوع إلى الفقه في موطنه بدلا من الرؤى الفكرية العامة.

د-الشريعة لا تتحمل وزر  الأفكار السائلة في مركزية السلطة:

 لذلك لا تتحمل الشريعة وزر  تناقضات هذه الجماعات المتجاوزة، لأن الأصوليين قرروا بطلان التعليل بالعلل العامة لأنها لا فرق فيها بين العامي والمجتهد وتؤدي إلى الحكم ونقيضه، وتصبح التجربة الذاتية للفرد والجماعة هي التي تعين الصواب والخطأ، بمعنى أن التدين أصبح تجربة شخصية، وسيرة ذاتية، وكلام الأصوليين يبين أن العوام يعللون بالعلل العامة أيضا، وأنها تؤدي إلى نتائج متناقضة، وفهمك كفاية.

2-الولاء والبراء نموذج الإجمال وعدم التفصيل في الرؤى الفكرية:

إن الرؤى الفكرية الدينية المعاصرة لم تسلك طريق الاجتهاد فيما تسميه عقيدة الولاء والبراء، ولم تفرق بين الحب الجبلي من المسلم للكافر، أو الحب المنطوي على استحسان الكفر  وعودة هذا الاستحسان على معلوم من الدين بالضرورة بالإبطال، كما أنها لم تميز بين التحالفات السياسية والاقتصادية القائمة على الحاجات والضرورات في الغذاء والصناعة والتجارة، فالرؤية الفكرية قاصرة عن محكمات الشريعة والتصرف في أدلتها، بل هي متجاوزة للمذهب الفقهي وأصوله، لذلك اضطربت هذه الجماعات في تطبيق المقولة لأن المقولة هي خطاب أغلبية يخلو من التكليف الشرعي، وهي مجملة يمكن استعمالها تجاريا في التكفير السياسي.

3-القراءة الجزئية للنص دون المحكمات الكلية:

إن الفكر الديني المتجاوز للفقه والأصول يقرأ النص الديني قراءة جزئية خارجا عن الأصول الكلية للشريعة في محكماتها، ولم يفرق في مقالاته الدينية بين محبة الكافرين في فلسفتهم وفكرهم الذي ينطوي على جحود معلوم من الدين بالضرورة بوصفه ضابطا للكفر، وبين من يحب حياتهم الدنيا في الرفاهية، أوحمل الجنسية الغربية أو الأحلاف السياسية والاقتصادية التي لا تنطوي على جحود وتكذيب، فجعل للجميع حكما واحدا، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم حالف خزاعة في صلح الحديبية، ورد من جاءه مسلما، وهو أمر يشكل تفسيره حسب التكفير بالولاء والبراء مطلقا دون تفصيل.

3-تبدلات التكفير السياسي حسب مركزية السلطة:

أ-لا تكفير  بالمتشابهات:

يلاحظ أن الجماعات الدينية تتحكم في تكفير المسلمين بمقولتها المتشابهة حسب الولاء السياسي، وبعض الجماعات التي حاربت وكفرت على الولاء والبراء، وجدت في النهاية أن هذه المتشابهات التي يكفر بها المسلمون ليست دينا ولا دنيا، إنما هي من الوضعية الدينية المعاصرة، وإذا رجعنا إلى قواعد أهل السنة فإنهم لا يكفرون بالمتشابه بل هو محكم واحد في دخول الإسلام  وهو الإيمان بالنبي والإذعان له بالمعلوم من الدين بالضرورة، والردة نقيض الإيمان الذي أدخله الإسلام.

ب-الرؤى الفكرية تختلف عن الاجتهادات الفقهية لأئمة الدين:

وبما أن التجسس للكافرين أو التحالف معهم جريمة تحتمل لجحود معلوم من الدين بالضرورة، أو لشهوة الدنيا مع عدم الجحود، نجد أن الفقه لا يطبق حد الردة على الجاسوس بل يطبق حد الحرابة على مسلم وبعض المذاهب عقوبة تعزيرية،  أما إذا جحد معلوما من الدين بالضرورة فهو مرتد لا محارب.

ج-الاجتهاد الفقهي بنائي في مركزية الأمة والشريعة:

 وهذا التفصيل الفقهي ينبه على خطورة الإجمال في الولاء والبراء في التكفير السياسي لحاجة الحركية والسرعة وقابلية التوظيف ضد الخصوم السياسيين، لذلك يمكن توظيف هلامية الولاء والبراء في مركزية السلطة والعلاقات الاقتصادية والسياسية والانتماءات الحزبية، بينما محكم الاجتهاد الفقهي المستمر  هو الذي يحمي الشهادتين في جانب الوجود  وفي جانب العدم من هدمهما من الغلاة والجفاة، ويحافظ على تماسك المجتمع الإسلامي، وقادر على تعيين مساحة الاعتقاد والفقه والسياسية الشرعية دون أن تتناقض العقائد مع الفقه والسياسة.

*الخلاصة:

  1. يمكن تأسيس تضامن دولي إنساني على أسس شرعية بديلة لمباديء القانون الطبيعي في القانون الدولي الإنساني.
  2. عدم التكليف بالجبلة لأن الشرع لا يكلف بما لا يطاق.
  3. تُؤول النصوص المتشابهة التي ظاهرها التكليف بالجبلة بردها للمحكمات .
  4. اعتبار الجبلي بالقصد الثاني هو خادم للقصد الشرعي الأول بالتعبد.
  5. أعمال الكافرين الموافقة للشرع معتبرة ولكن ليس كعمل المسلم، لأن قصد الكافر لم يوافق قصد الشارع.
  6. مراعاة الجبلات واعتبار أعمال الكافرين من وجه بحسب أن الشريعة حاكمة فإن هذه يؤسس لقانون دولي إنساني بديل للعقل الطبيعي عند باروخ إسبينوزا بوصفه مؤثرا في تأسيس القانون والسلطة.
  7. يجب إظهار التوفيق بين أصول الشريعة لا تتناقض في أن الأعمال بمقاصدها مع اعتبار العمل الموافق للشرع مع القصد المخالف له.
  8. مقولة الولاء والبراء علة عامة لا تصلح لبناء الأحكام التفصيلية على مستوى الأفراد أو الجماعات أو على مستوى السياسة الشرعية بين الدول.
  9. انشقاق الجماعات الدينية على فكرة الولاء والبراء المحتمِلة وهدم السياسة الشرعية بها هو من التفرق في الدين المنهي عنه.
  10. الجماعات الدينية المتجاوزة تعيش تجربة ذاتية وليس اجتهادا فقهيا، وتعيد تصحيح نفسها من خلال التجارب، ومن الخطر أن يصبح الدين سيرة ذاتية.
  11. المنهج الأصولي هو الحامي لنصوص الشريعة كتابة وسنة من العبث والتوظيف في مركزية السلطة.
  12. المنهج الأصولي قادر على الجمع بين مركزية الأمة والشريعة مع فرعية السلطة التابعة.
  13. غير المسلمين مكلفون بفروع الشريعة، بل يجب عليهم أن ينصروا قضية فلسطين ويعتبر من عملهم ما وافقوا به الشرع كعمل أبي طالب فإنه جوزي بنصرته للنبي صلى الله عليه واعتبر بقدره.
  14. فكرة الولاء والبراء غير قادرة على فهم الشريعة، بل هي تتناقض مع الشرع كما هو الشأن في العلل العامة.
  15. مع اعتبار عمل غير المسلم المؤيد لحقوق المسلمين إلا أن عدم إسلامه يجعله مخالفا لقصد الشارع، فلا يثاب بالقبول والحسنة، وإنما له ثواب دون ذلك.
  16. إن المسلم من أصحاب الكبائر من القاعدين اختيارا مخالف في العمل ولكن إقراره بالشهادتين يجعله خيرا من جاحد الشهادتين ولكنه ينصر حقوق المسلمين.
  17. العقل الأداتي يتحكم في الفكر الديني المتجاوز ويقدم المكاسب السياسية والنجاح الاقتصادي على مكانة الشهادتين، وينظر للدين على أنه مركبة سياسية للوصول إلى المكاسب السريعة.
  18. فضل الشهادتين لا يعدله فضل وأهل الكبائر تحت المشيئة ولا يجوز لفضيلة الموقف السياسي للكافر أن يُعطف على هدم قيمة الشهادتين للمسلمين المفرطين.
  19. يجب أن يدين المسلمون للإسلام على أنه حقائق صحيحة في نفسها تبذل من أجلها جميع المكاسب وتتحمل جميع التضحيات لأن الإسلام حق في نفسه، ولا يستمد المشروعية من جَني المكاسب الدنيوية العاجلة، وإن الوعد العاجل في الدنيا هو للمؤمنين الذين لم يتخذوا الإسلام مركبة خادمة للمكاسب الدنيوية.
  20. بطلان تفضيل الدولة المشركة على دولة المسلمين بناء على العدل بالمعنى العادي لا الشرعي، لأنه حط من قدر الشهادتين للمسلمين وأن الشرك هو أعظم الظلم (إن الشرك لظلم عظيم).
  21. تفضيل الدولة المشركة العادلة حاصل باعبتار العدل العادي لا الشرعي، وهو راجع إلى الفلسفة الوجودية في القدر المشترك بعدم الثنائية في الوضع اللغوي والشرعي، وهي عين الفلسفة التي تزعم توحيد الربوبية لأبي جهل بناء على المعنى المشترك في الرب فمن باب أولى أن يكون في العدل حسب هذه الفلسفة الوجودية.
  22. حلف الفضول وافق العمل ولم يوافق القصد فاعتبره النبي صلى الله عليه وسلم في العمل لو دعيت إلى مثله لأجبت، وأبطل عمل ابن جدعان لأنه لم يقل رب اغفر لي يوم الدين.

الكسر في الأصول لا ينجبر

عبد ربه وأسير ذنبه

أ.د وليد مصطفى شاويش

عمان أرض الرباط

4- محرم -1447

29-6-2025

1 thought on “يحشر المرء مع من أحب بين الملة والجِبِِلَّة (فماذا عن حب النبي صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب) (نحو قانون دولي إنساني بديل)

  1. يوليو 17, 2025 - غير معروف

    عدم التكليف بالجبلة؛ لان الشرع لا يكلف بما لا يطاق..
    اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك..
    أنا لمّا بقرأ لغيرك من الدكاترة في الشريعة وبكونوا prof بحس انهم بسيطين جدا ما عندهم الحجة العلمية القوية اللي حضرتك بتحاجج فيها..
    في الدين في السياسة قرأت لك الكثير، ما يقنعني في كلامك وتحليلاتك أنك لم تناقض نفسك يوما.. ثبتك الله..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to top