1-لفت انتباهي في الحديث ويتحرى الكذب، أي أنه لا يكذب لحاجة بل تصبح مهنته تحري الكذب والبحث عنه، ويصدق فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ومَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ ويَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا) فالكذب لم يعد حاجة من أجل موقف، بل أصبح الكذب فلسفة تتقن فن الكذب وتتحرى الكذب، حتى صار سجية لسدنة السياسة من خبراء الكذب الذين همهم التبرير للمعتدين الغاصبين.
2-وسرني أن الزرقاني (ت: 1122هـ) شارح الموطأ يصف متحري الكذب بأنه انسلخ من الإنسانية وصار شرا من البهائم،فقال: (وفيه[الحديث الشريف] تحذير من الكذب والتساهل فيه، وهو أشد الأشياء ضررا، فإنه إذا تساهل فيه أكْثرَ منه، وعُرف به، فلا يُعتمد نطقُه، ولا ينتفعُ به، فينسلخ من الإنسانية، لخصوصية الإنسان بالنطق إلى البهيمية، فيصير هو والبهيمة سواء، بل هو شر منها، لأنها وإن لم ينفع نطقها، لا يضر، والكاذب يضر ولا ينفع) توفي الزرقاني قبل ثلاث مائة عام، ويحدثنا عن انسلاخ الإنسانية في فلسفة الحداثة، ولحاق أهلها من مشعوذي حقوق الإنسان بالبهائم.