[printfriendly]
من الفكر الدعوي إلى الفقه السياسي
(الحرب على إيران نموذجا)
الخلاصة
1-يختلف الفكر الدعوي، هل نقف مع إيران لأنها مسلمة، أم نقف مع التحالف بسبب ارتكاب إيران حرب إبادة ضد أهل السنة في العراق والشام، وأن إيران أخطر على المسلمين من غير المسلمين، مع استجرار أقوال دينية تغذي كِلا الاتجاهين المتعاكسين، ولا شك أن هذين الموقفين هما انحياز يتجاهل الفقه السياسي الإسلامي، الذي يتطلع إلى حفظ الضرورات الخمس للمصالح تحصيلا وللمفاسد تقليلا، وهذا هو البحث في المستوى الثاني في الفقه السياسي.
2- وبعد تعيين الفقه السياسي يصبح المعوَّل عليه هو البحث النظري في المستوى الثالث وهو الفاعل السياسي الذي يستعين بالخبرات الضرورية لتقييم الآثار المتوقعة لهذه الحرب على الضرورات تحصيلا وإكمالا أو تقليلا وإخلالا، مما يعني بطلان الفكر الدعوي الميكانيكي الذي يريد أن أن ينحاز إلى أحد الطرفين مطلقا في كل حال وزمان ومكان، وبطريقة خوارزمية لا تبالي بالمعنى، ولا بآثار المواقف السياسية على الضروريات، مما يعني أن التخيير بين أحد الفريقين المسلم أو الكافر ، ليس في محله، وقصور الفكر الدعوي عن مجال الفقه السياسي الشرعي.
تمهيد:
بصرف النظر عن صلاحية تعبير الإسلام السياسي، ولكن التجربة السياسية للجماعات الدعوية تحتاج توصيفا ثم تحليلا فقهيا، يبين المستوى الثاني وهو الفقه السياسي، والمستوى الثالث الذي هو الفعل السياسي، أما المستوى الأول فهو المستوى العقدي الإيماني، ولا فصل بين هذه المستويات في التطبيق، إنما هو تمييز في موضوع البحث، وتعيين الواجب الشرعي على الفقيه في المستوى الثاني، وعلى الدولة في المستوى الثالث.
أولا:الإسلام السياسي يتعلم بالتجربة لا بالفقه:
إن التعلم بالتجربة في الجماعات ذات النزعة الواقعية، والتطور في الأفكار ، ثم تجاوز التجاوز ، والفصل بين الدعوي والسياسي، هو نتيجة الخلط بين الفقه السياسي والفعل السياسي الذي هو البحث النظري، وهذا التناقض أدى إلى تعثر الفكر الدعوي المعاصر في مركزية السلطة، بخلاف التمييز بين الفقه السياسي المستنبط من الشرع في المستوى الثاني، ثم البحث النظري للواقعة في المستوى الثالث، ثم مرحلة تنزيل الحكم الفقهي على الواقعة، فيما يعرف بتحقيق المناط، وهذا التمييز بين المستويين الثاني والثالث، هو الذي يَحُول دون السقوط في النزعة الواقعية فيما يعرف بالإسلام السياسي الذي يؤدي إلى التماهي مع الواقع، أو العيش في المثالية التاريخية في سرد النص والقصص، بعيدا عن حقيقة الواقع .
ثانيا: الفقه السياسي يقوم على منظومة واسعة من المصالح وترتيبتها:
إن الفقه السياسي لا يؤخذ من الواقع، ولا المثالية التاريخية، بل يرصد رتب المصالح والمفاسد، وقواعد الترجيح بين الضروري والتكميلي، والكلي والجزئي، وعموم المصالح والمفاسد أو كونها خاصة، وعليه فإن السجال الدعوي في الحرب الجارية على إيران بسبب التنازع بين المبدأ العام أن نقف المسلم أو مع الكافر، ومَن أشد عداء لأهل السنة، يتجاوز كل منظومة الضروريات وترتيبها تحصيلا وتكميلا، فضروري الدين واحد من خمس ضروريات، وربما يتعارض ضروري حفظ النفس العام مع تكميلي الدين، فقد يرجَح ضروري حفظ النفس على تكميلي الدين، وأما التبرير للمواقف بأن هؤلاء مسلمون أو كافرون، فلا يغني من الحق شيئا، بل الصواب هو تعيين الضرورات الخمس ومكملاتها ومنها الدين، والترجيح على ضوء تلك الرتب، ثم تطبيق المستوى الثالث، في البحث النظري الأمني والعسكري والسياسي والاقتصادي.
ثالثا: أسئلة المستوى الثاني (الفقه السياسي) برسم الإجابة:
1-يجب مراعاة الضروريات بصرف النظر عن كون إيران دولة مسلمة أم لا:
تظهر تحديات جمة، أمام الفقه السياسي الشرعي، أن الجمهور يتطلع إلى الانحياز إلى أحد الفرقاء، لأن الفكر اليوم ينظر إلى الرغبة والمصلحة الفئوية ولا يبحث عن الحقيقة الفقهية في نفسها، التي تحمله تكليفا،وهي مأخوذة من الشريعة لا منتزعة من الواقع، وهي مستمرة استمرار الشريعة، لذلك لا بد من طرح الأسئلة في المستوى الثاني التي هي محددات المستوى الثالث في الفعل السياسي، والفعل السياسي هو بحث نظري لا فقهي، وتنزيل الفقهي على الواقع هو مسؤولية الإمامة والدولة التي هي الفاعل السياسي، وفيما يلي عرض أسئلة المستوى الثاني.
2-هذه هي الأسئلة:
- أ- -هل إيران أو الغرب في هذه الحرب يؤثر بهدم الضروريات الخمس للأمة، وعندئذ لا ترجيح بين الضروري والضروري، لأن القطعيات لا تتعارض حتى يرجح بينها، ومن ثم يكون البحث في تحصيل مكمل الضروري والحاجي والتحسيني، ودفع المفسدة عن هذه المكملات.
- ب- -هل يمكن زوال ضروري شرعي أصلا، ولا سيما أننا نعتقد بأن الأمة محفوظة في دينها ونفسها إلى يوم الساعة، أم أن الزوال ممكن في التكميلي فقط؟ مما يعني أن الأمة المحمدية لا تخوض حرب وجود لقوله تعالى: (لن يضروكم إلا أذى) والنصوص في حفظ الأمة دينا ونفوسا متواترة المعنى.
- ت- -هل إيران أو الغرب يؤثر بالضرر أو النفع في التكميلي للضررورات الخمس، وإن كان أثر في التكميلي، فهل أثر في مكمل الضروري أم الحاجي أم التحسيني؟
- ث- يجب تعيين أهداف كل من الفريقين فقد يكون غاية الإيرانين الانتقام المجنون من أهل السنة وتشييع أهل السنة وتغيير دينهم، بينما تكون أهداف الكافرين نهب الثروات، وحماية الكيان المشوه الجاثم على أرض فلسطين، ولا شك أن المراجحة بين المفسدتين هي بحث فقهي، بينما يكون بحث الواقع نظريا من المستوى الثالث، وليست خطبة عصماء في استوديوهات التحليل، وبناء على ما سبق ترتكب أهون المفسدتين، فقد تكون المفسدة من المسلم أشد من المفسدة من الكافر، والعكس صحيح أيضا، أن مفسدة الكافر قد تكون أشد، وإن الذهاب مطلقا مع المسلم أو الكافر دون تعيين أهون المفسدتين على الدين والنفس، هو ارتجال يضيع المقاصد الشرعية.
- ج- الذهاب مع المسلم مطلقا، أو الكافر مطلقا، يكون لأسباب فكرية وتحيزات ثقافية، تهمل النظر في تعيين أهون الضررين، فبالتأكيد ستنحاز الجماعات الدينية فكريا بصرف النظر عن مصالح المسلمين كما رأينا في شتات الجماعات الدينية من الحرب على غزة، حيث فضلت انحيازاتها الفكرية على مصالح المسلمين العامة، أما الدهرية(العلمانية) فستنحاز إلى البوارج الغازية من جهة البحر المتوسط، وهذا الانحياز الفكري (الإيديولوجي) يهددد النظر المصلحي للمسلمين.
- ح- عقيدة الولاء والبراء من الكافرين تتعلق بنصرة الكافر حبا في دينه، ونصرة لفكره، وكراهية في دين الإسلام، ولا شك أن هذا راجع بالضرر على ضروري الدين، وهذا لا يكون من مسلم رضي الإسلام دينا، ولكن هذه العقيدة لا تجيز إهمال النظر في الضروريات الأخرى، لا سيما أن عموم المسلمين لا يتصور فيهم نصرة الكافر على دين الإسلام، لكن قد يكون عموم المسلمين ضحية تشييع وحرب إبادة شاملة يشنها أصحاب الطوائف الباطنية، فيجب أن يؤخذ هذا بعين الاعتبار، خصوصا أن خطر النفاق أشد من خطر الكفر، مما يعني عدم تجاهل القسم الثالث للكفر والإسلام، وهو النفاق يشبه المسلمين في الظاهر والكافرين في الباطن، وهذا يعني بطلان الحصر للحرب بين الكافر والمسلم فقط، ومن ثم بطلان الحكم، لوجود قسم ثالث هو المنافق.
- خ- -هل قامت حجة الله على المسلم قبل غيره في بيان رُتب التكميلي في مستوى الفقه السياسي، حتى يأتي البحث النظري في الفعل السياسي الذي يقوم به الفاعل في المستوى السياسي وهو الإمامة والدولة.
- د- كيف أُعَين المصالح الشرعية العامة للأمة أو الجزئية للدولة والجماعات والأفراد على ضوء قواعد الترجيح بين التكميلي على مستوى مكمل الضروري أو الحاجي أو التحسيني.
- ذ- -مَن الجهة المسؤولة وتكون رقابية على البحث النظري في تطبيقات الفعل السياسي على فرض توفرت الإجابة على الأسئلة الفقهية السابقة؟
- ر- -على فرض توفر الإجابة، يتضح الجواب على سؤال: بيِّن الفرق بين التحليل النظري السياسي والإعلامي، وبَين الفقه السياسي في قواعد الترجيح بين الضروري والتكميلي.
- ز- -هل يصح الانحياز إلى المبادئ العامة مثل كون المتحاربين مسلمين أو كافرين أو الوقوف مع أحدهما على وجه الإطلاق، وماذا لو كان الفريق منافقا، فعندئذ بطل الحصر في كون المتحاربين كافرا ومسلما، فقد يكون المنافق هو القسم الثالث، فيبطل الحكم المبني على حصر القسمين، لأن القسم الثالث قد يكون أضر العالمَين على المسلمين.
- س- كيف يمكن التغلب على التناقض في المصالح الجزئية بسبب فرقة أهل السنة والجماعة، مما يعني أن تعيين المصلحة الشرعية العامة، ستكون عقبة أمام المستوى الثالث في البحث النظري.
- ش- -إن الإمامة والدولة هي الفاعل السياسي، وأما الفقه السياسي فهو يمثل المحددات الشرعية لرتب المصالح والمفاسد وقواعد الترجيح بينها، ويتحمل الفاعل السياسي المسؤولية في حالة الخطأ في البحث النظري الذي هو المستوى الثالث، ويتحمل الفقيه في المستوى الثاني، فيحاكَم على ضوء أصول الاجتهاد والنظر.
- ص- -لا يمكن الفصل بين مصلحة الدولة والمجتمع، فلا بد أن تكون السياسات مراعية للمصلحة الكلية وليس مصلحة الدولة دون الالتفات إلى أن المصالح الشرعية كلية عامة تشمل النظام والشعب معا، وليست المصالح الشرعية جزئية خاصة.
- ض– أما دعاء اللهم أهلك الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين فهذا دعاء العجائز ، وليس من فقه السياسة الشرعية.
- -أنزلوا الرايات وأوقفوا الطبول، إن الموقف من الحرب يكون بمقدار أثرها على الضرورات الخمس تحصيلا وتكميلا، وهو نظر فقهي حسب قواعد الترجيح بين رتب الضروريات، ثم اجتهاد نظري في المستوى الثالث يقوم به خبراء السياسة والاقتصاد والعسكرية، وإذا تأملنا الاجتهاد الفقهي والنظري فهو خاص بالمجتهدين في المجال الدقيق، مما يعني أن مخاتير الثقافة يبحثون عن إبرة في كومة قش ليس فيها إبرة أصلا.
المحجة البيضاء
عبد ربه وأسير ذنبه
أ.د وليد مصطفى شاويش
عَمَّان المحروسة
21- رمضان -1447
10-3-2026
