ميزان الانتصار  والهزيمة (يوم بيوم بدر )أم (لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار) (فلسطين نموذجا)

تمهيد: اختلاف الناس في الميزان:

يختلف المسلمون اليوم في تقرير النصر في فلسطين بسبب التقييم العادي للمفاسد والمصالح من حيث الخسائر البشرية والمادية في الجانبين، بصرف النظر عن تقرير الشريعة للمصالح والمفاسد الشرعية، فإن التقييم الدنيوي سيكون لصالح العدو ، مع مكاسب دنيوية أقل للمسلمين، وهذا يعني أن هناك اضطرابا في ميزان التقييم، مما يعني خفاء المحجة البيضاء التي تركنا عليها رسول الله صلى عليه وسلم، وهل الأصح ميزان المشركين في أحد (يوم بيوم بدر) أم (لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار )، وما هو الميزان الذي بينه الله تعالى بقوله: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)، وهذا الميزان حقيقة شرعية، وليس هو وجهة نظر  وانطباعا شخصيا، ولا يجوز أن يُحكم ميزان مشركي الجاهلية في أحد على ميزان الشريعة والمحجة البيضاء.

1-مثال توضيحي للمصلحة العادية والشرعية:

تعتبر الفائدة الربوية ومنافع الخمر مصالح عادية، ومكاسب دنيوية مؤقتة، ولكن الشريعة اعتبرتهما مع تلكم المنافع مفسدة شرعية، وحرمت الخمر والربا وصارات مفاسد محضة من الناحية الشرعية، وإن كان يحصل للإنسان متعة وسرور  بهما.

2-التمييز بين المصلحة والمفسدة شرعا وعادة:

ما يحصل من ألم للقلب في سبيل الطاعة كإسباغ الوضوء في الليالي الباردة، وتلف الأموال والأنفس في الجهاد، فهذه مفسدة من حيث العادة من حيث هي ألم القلب بالفقد والتلف والمشقة، ولكن الشريعة اعتبرت المشاق والآلام العادية في الطاعات مصلحة شرعية مأجورة يمتد أثرها بالأجر إلى الآخرة، (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ).

3-مذهب الذين يحبون العاجلة:

 وعليه فإن الذين يحبون العاجلة سيُعرضون عن المصالح الشرعية، وإن كانت شاقة مكروهة للنفس ولكن فيها أجر في الآخرة كاتخاذ الله الشهداء، ومحبو العاجلة يجعلون نقص الأنفس والأموال في جانب الخسائر، وسيعدون المكاسب الزائلة من المصالح ولكن باعتبارها عادية، مع أنها مفاسد شرعية، كما هو الحال في منافع الربا والخمر، وإن صيانة النفوس عن واجب الشرع هو بخل منذر بالهلاك الدنيوي بضرب الذلة عليهم والحسرة في الآخرة، ولن يفقهوا المصلحة الشرعية في جراحات المسلمين يوم أحد، ولا تضحيات المؤمنين من أصحاب الأخدود، وسيكون محبو العاجلة من (ٱلَّذِينَ قَالُواْ لِإِخْوَٰنِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْ ۗ قُلْ فَٱدْرَءُواْ عَنْ أَنفُسِكُمُ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ).

4-الخسائر البشرية باعتبار العادي هي عين  المصالح الشرعية:

إذا نظرنا باعتبار التقييم الشرعي فإن الجهاد فرض العين هو أعظم الجهاد المثاب شرعا لأنه دفع للصائل على المسلمين بالمستطاع من السلاح المتواضع نسبيا مع سلاح العدو  (وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ)، وتفضيل هذه الأمة بكثرة شهدائها التي يفاخر بها نبيهم الأمم، أما الأموال والدور  المدمرة فهي  أموال بذلت في سبيل الله تعالى وهذه كلها مصالح شرعية لأن آثارها ممتدة في الآخرة، هذا فيما هو  تضحية بالأموال والأنفس فإذا بها مصالح عظيمة شرعا، فكيف بالمصالح العادية التي هي مكاسب المجاهدين وهي أيضا شرعية فهي نور على نور والحمد الله، وحسبنا نداء الصحابة في أحد تأكيدا على هذا المعنى (لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار)، حينها تعلم مَن المنتصر  مِن المهزوم، وتعلم صدق التمييز بين المصالح العادية والشرعية والمفاسد العادية والشرعية.

5-مكاسب العدو المادية هي مفاسد شرعية:

أما مكاسب العدو المادية فهي مفسدة شرعية ذلك لأنها استدراج إلهي، لأن الله  يمد عدوه بأموال وبنين ليزدادوا إثما وقتلا وفسادا في الأرض وهذه المكاسب الدنيوية هي مفاسد شرعية كالفائدة الربوية، (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ (54) أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ ۚ بَل لَّا يَشْعُرُونَ)، فهذا هو شأن المكاسب المادية الدنيوية، فكيف بالخسائر الدنيوية المادية، فهي مفسدة دنيوية وشرعية، ظلام على ظلام.

6-تكثير الشهداء قصد نبوي شريف:

ومما يدل على قصد الشارع تكثير الشهداء لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما تعدون الشهيد فيكم؟» قالوا: يا رسول الله، من قتل في سبيل الله فهو شهيد، قال: «إن شهداء أمتي إذا لقليل»، قالوا: فمن هم يا رسول الله؟ قال: «من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد»، قال ابن مقسم: أشهد على أبيك في هذا الحديث أنه قال: «والغريق شهيد»

وهؤلاء الشهداء هم في معركة متعينة مع العدو وهذا لا يفهم منه التغرير  بالناس وإلقاؤهم في مهاوي الردى، بذريعة تكثير الشهداء، بل إن الشهداء يقدمون في معركة سببها مشروع، وهي في فلسطين في الفرض المتعين في الذود عن حمى الإسلام والمسلمين والمقدسات.

7-الارتدادات الفكرية للحرب في فلسطين نصر من الله:

أ-سنة الله في نصرة دينه:

ذكرت لك أن سقوط القدس بيد العدو سنة 1967، كان سقوطا للفكر القومي العربي، وحرب الشام أسقطت الشيعة الباطنية، ومسيرة التمحيص باقية، فالآن يقع التمحيص للفكر الديني المعاصر داخل أهل السنة والجماعة، فالفكر العاجز عن بيان فقه الجهاد وتستر  بالخطابات في الجهاد التي لا يوجود لها محل حكم تنزل عليه، والفتاوى الطيارة التي لا تجد محلها في الواقع، وجماعات وإن جلد ظهرك، وحالة التناقض التام بين هذين الفكرين الدينيين المفلسين، اللذان يعصفان بتماسك المجتمع السني، في وقت تواجه الأمة الغزو الخارجي والغزو الباطني.

ب-القضاء على أسطورة بقاء الكيان:

وأما على صعيد دولة الكيان فإن الكيان اليوم يعيش صدمة في إرادته في البقاء، بسبب مواجهته قوة تعجز التقنية الحديثة عن محاكاتها، وهي قوة الإيمان في بأس المؤمنين الذين حطموا شخصية رامبو  المنتجة في معامل هوليود، والقتال المرفه وراء الشاشات والأزرار، في معركة الصدور العارية مع التقنيات العالية، إن أسطورة الكيان الفكرية في البقاء التي تحاول أن تكون كيانا طبيعيا في طريق مشروع الشرق الأوسط الجديد، أصبحت هباء منثورا بيد العدو نفسه الذي جعل من جثث أطفال غزة نارا لا تهدأ في القلوب وتطالب بالقصاص من الحثالة المجرمة.

ج-إنتاج مضادات الإيمان لمقاومة فيروسات الحداثة:

وزيادة على هذا كله أن هذه الأحداث قد ولدت مضادات إيمانية ضد فيروسات الحداثة، وصنعت حاجزا نفسيا بين المسلمين وبين كتائب التجسس الثقافي من النسويات وحقوق الإنسان والطفل، وحقيقة المنظومة الدولية القائمة على ظلم المسلمين والضعفاء في العالم، ومنح تراخيص حرب عليهم، لقد ظهر للمسلمين أن الحداثة في منظومتها الفكرية والقانونية الدولية هي إعلان نهاية عهد الإنسان، وبداية التوحش المدجج بتقنيات السلاح العالية، وسيكون للمسلمين يوما كلمتهم العليا في استرداد الإنسان من جديد، وإعادته إلى آدميته الـمُسْتلَبة من الحداثة.

8-مع أي الميزانين أنت:

فإذا تقرر لك أن مكاسب العدو الدنيوية المادية إنما هي مكاسب عاجلة راجحة في ميزان الحداثة الفانية، ولكنها مفسدة شرعية في الحقيقة، وساقطة في ميزان الله تعالى (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ)، وإياك أن تكون مع ميزان الحداثة، فتكون مِمَّن خفت موازينه يوم القيامة، وكن مع ميزان الشريعة في اعتبار المصالح والمفاسد باعتبار امتدادها في الآخرة، فالله يُثقِّل موازين أمة محمد بالشهداء الشفعاء، وهي مصلحة راجحة على كل المكاسب المؤقتة الفانية عند الذين يحبون العاجلة.

معايير النصر، معايير الهزيمة، هل انتصرت غزة، المصلحة الشرعية، فلسفة المنفعة، الإسلام والحداثة الشرعية،

الطريق إلى السنة إجباري

الكسر في الأصول لا يَنْجبِر

عبد ربه وأسير ذنبه

أ.د وليد مصطفى شاويش

عَمان الرباط

16 -جمادى الأولى-1445

30-11-2023

2 thoughts on “ميزان الانتصار  والهزيمة (يوم بيوم بدر )أم (لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار) (فلسطين نموذجا)

  1. ديسمبر 2, 2023 - غير معروف

    جزاك الله خيراً على هذا التأصيل الشرعي لقضايا تاهت فيها الأفهام في ظل الفوصي الإعلامية والفكرية .

  2. ديسمبر 7, 2023 - أنوار صبابحة

    كلماتك بمثابة مقويات نفسية وفكرية لقلوبنا وعقولنا في هذه الأوضاع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top